الْبَابُ الثَّالِثُ في مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ وَحُكْمِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ الْأَوَّلُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى الْأَبْصَارِ وَمَبْنَى الشَّهَادَةِ على الْيَقِينِ قال تَعَالَى وَلَا تَقْفُ ما ليس لَك بِهِ عِلْمٌ وقال تَعَالَى إلَّا من شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال على مِثْلِ هذا فَاشْهَدْ أو دَعْ وقد يَتَعَذَّرُ الْيَقِينُ في مَوَاضِعَ فَيَكْفِي الظَّنُّ الْمُؤَكَّدُ كما سَيَأْتِي وقد قَسَّمُوا الْمَشْهُودَ بِهِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما يَكْفِي فيه السَّمَاعُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِبْصَارُ وَمَحِلُّ بَيَانِهِ الطَّرَفُ الثَّانِي ثَانِيهِمَا ما يَكْفِي فيه الْإِبْصَارُ فَقَطْ وهو الْأَفْعَالُ وما في مَعْنَاهَا كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ وَالْوِلَادَةِ وَالرَّضَاعِ وَالِاصْطِيَادِ وَالْإِحْيَاءِ وكون الْيَدِ على الْمَالِ فَيُشْتَرَطُ فيها الرُّؤْيَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بها وَبِفَاعِلِهَا وَلَا يَكْفِي فيها السَّمَاعُ من الْغَيْرِ لَكِنَّهُ مُعْتَرَضٌ في كَوْنِ الْيَدِ على الْمَالِ إذْ يَكْفِي فيه الِاسْتِفَاضَةُ كما سَيَأْتِي وقد نَقَلَ الْأَصْلُ ثَمَّ الِاكْتِفَاءُ بها وَأَبْدَى ما جَزَمَ بِهِ هُنَا بَحْثًا قال الزَّرْكَشِيُّ وَالِاكْتِفَاءُ بها هو الصَّوَابُ فَقَدْ نَقَلَهُ الْجُورِيُّ عن النَّصِّ وقال إنَّهُ مُتَّفَقٌ عليه وَإِنْ اُخْتُلِفَ في ثُبُوتِ الْمِلْكِ بها وَيَشْهَدُ بها الْأَصَمُّ لِإِبْصَارِهِ
الثَّانِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ الطَّرَفُ الثَّانِي وَلَيْسَ مُرَادًا فإنه مَذْكُورٌ بَعْدُ وَإِنَّمَا هذا ثَالِثُ الْأَقْسَامِ التي ذَكَرْتهَا وَهِيَ مَذْكُورَةٌ في الْأَصْلِ على الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وقد حَذَفَ هو بَعْضَهَا فَحَصَلَ بِهِ خَلَلٌ في تَعْبِيرِهِ الذي لَزِمَ منه ذلك مع ذِكْرِ فَقَطْ في غَيْرِ مَحِلِّهَا كما عَرَفْت فَكَانَ حَقُّهُ ذِكْرَ الْأَقْسَامِ كما ذَكَرَهَا الْأَصْلُ وَبِالْجُمْلَةِ ثَالِثُهَا ما يَحْتَاجُ إلَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مَعًا كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ وَسَائِرِ الْأَقْوَالِ كَالْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَالْأَقَارِيرِ فَلَا بُدَّ فيها من سَمَاعٍ وَمُشَاهَدَةٍ وَلَا تُقْبَلُ فيها شَهَادَةُ الْأَصَمِّ الذي لَا يَسْمَعُ شيئا ولا شَهَادَةُ الْأَعْمَى اعْتِمَادًا على الصَّوْتِ لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تَتَشَابَهُ وَيَتَطَرَّقُ إلَيْهَا التَّلْبِيسُ مع أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لِشَهَادَتِهِ