حِينِ الزِّنَا لَا من حِينِ الِاسْتِبْرَاءِ وكان قد اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَهُ بِحَيْضَةٍ لِحُصُولِ الْيَقِينِ أو الظَّنِّ حِينَئِذٍ بِأَنَّهُ ليس منه فَلَوْ لم يَرَ ما يُبِيحُ قَذْفَهَا لم يَجُزْ النَّفْيُ وَهَذَا ما صَحَّحَهُ في أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَنَقَلَهُ عن قَطْعِ الْعِرَاقِيِّينَ لَكِنْ صَحَّحَ في الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ وَالشَّرْحِ الصَّغِيرِ إبَاحَتَهُ بِالِاسْتِبْرَاءِ لِأَنَّهُ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ على أَنَّهُ ليس منه لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْفِيَهُ لِأَنَّ الْحَامِلَ قد تَرَى الدَّمَ ولم يُرَجِّحْ في الْكَبِيرِ شيئا وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْمُدَّةُ من حِينِ الزِّنَا لَا من حِينِ الِاسْتِبْرَاءِ لِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ لِلِّعَانِ فإذا وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ منه وَلِأَكْثَرَ منها من الِاسْتِبْرَاءِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ ليس من ذلك الزِّنَا فَيَصِيرُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَلَا يَجُوزُ النَّفْيُ رِعَايَةً لِلْفِرَاشِ وَكَذَا لو لم يَسْتَبْرِئْهَا كما يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي أَيْضًا لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَلَا عِبْرَةَ بِرِيبَةٍ يَجِدُهَا في نَفْسِهِ أو شُبْهَةٍ تُخَيِّلُ إلَيْهِ فَسَادًا وَعَطَفَ على كان قَوْلَهُ أو غَلَبَ على الظَّنِّ أَنَّهُ من الزَّانِي مع احْتِمَالِ كَوْنِهِ منه بِأَنْ كان يَعْزِلُ عنها أو أَشْبَهَ الزَّانِيَ فَيَلْزَمُهُ النَّفْيُ بَعْدَ قَذْفِهَا لِمَا مَرَّ وَإِنْ لم يَغْلِبْ على ظَنِّهِ ذلك بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ منه أو احْتَمَلَ كَوْنُهُ منه أو من الزِّنَا على السَّوَاءِ بِأَنْ لم يَسْتَبْرِئْهَا حُرِّمَ النَّفْيُ رِعَايَةً لِلْفِرَاشِ كما مَرَّ أَيْضًا لَا الْقَذْفُ وَاللِّعَانُ لِتَيَقُّنِ زِنَاهَا فَجَازَ ذلك انْتِقَامًا منها وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ قِيَاسًا بَعْدَ نَقْلِهِ عن الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي حُرْمَةَ ذلك وَصَحَّحَهَا الْأَصْلُ وَالْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ لِأَنَّ اللِّعَانَ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا لِدَفْعِ النَّسَبِ أو قَطْعِ النِّكَاحِ حَيْثُ لَا وَلَدَ خَوْفًا من أَنْ يَحْدُثَ وَلَدٌ على الْفِرَاشِ الْمُلَطَّخِ وقد حَصَلَ الْوَلَدُ هُنَا فلم تَبْقَ فَائِدَةٌ وَلِأَنَّ في إثْبَاتِ زِنَاهَا تَعْيِيرًا لِلْوَلَدِ وَإِطْلَاقَ الْأَلْسِنَةِ فيه فَلَا يَحْتَمِلُ ذلك لِغَرَضِ الِانْتِقَامِ منها مع إمْكَانِ الْفُرْقَةِ بِالطَّلَاقِ
وَيَجُوزُ النَّفْيُ لِمَنْ يَطَأُ في الدُّبُرِ أو غَيْرِهِ مِمَّا عَدَا الْقُبُلَ لِأَنَّ أَمْرَ النَّسَبِ يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ الشَّرْعِيِّ فَلَا يَثْبُتُ بِغَيْرِهِ على أَنَّ في ثُبُوتِهِ بِالْإِتْيَانِ في الدُّبُرِ اضْطِرَابًا قَدَّمْته في النِّكَاحِ لَا لِمَنْ يَعْزِلُ عنها في وَطْئِهِ لِأَنَّ الْمَاءَ قد يَسْبِقُهُ إلَى الرَّحِمِ من غَيْرِ شُعُورِهِ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ في جَوَازِ النَّفْيِ وَالْقَذْفِ تَبْيِينُ السَّبَبِ الْمُجَوِّزِ لِلنَّفْيِ وَالْقَذْفِ من رُؤْيَةِ زِنًا وَاسْتِبْرَاءٍ وَنَحْوِهِمَا لَكِنْ يَجِبُ عليه بَاطِنًا رِعَايَةُ السَّبَبِ الْمُجَوِّزِ لها فَرْعٌ لو أَتَتْ بِأَبْيَضَ وَهُمَا أَيْ أَبَوَاهُ أَسْوَدَانِ أو عَكْسُهُ لم يَسْتَبِحْ أَبُوهُ بِهِ النَّفْيَ له وَلَوْ أَشْبَهَ من تُتَّهَمُ بِهِ أُمُّهُ وَانْضَمَّ إلَى ذلك قَرِينَةُ الزِّنَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَجُلًا قال لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ قال هل لك من إبِلٍ قال نعم قال فما أَلْوَانُهَا قال حُمْرٌ قال هل فيها من أَوْرَقَ قال نعم قال فَأَنَّى أَتَاهَا ذلك قال عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ قال فَلَعَلَّ هذا نَزَعَهُ عِرْقٌ
فَصْلٌ يَنْتَفِي الْوَلَدَ بِلَا لِعَانٍ عن زَوْجٍ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُ لِأُمِّهِ كَمَشْرِقِيٍّ تَزَوَّجَ مَغْرِبِيَّةً أَيْ بِأَنْ كان هو بِالْمَشْرِقِ وَهِيَ بِالْمَغْرِبِ وَإِنْ أَتَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ من الْعَقْدِ أو من طَلَّقَ في مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِلنِّكَاحِ قِيَاسًا على ما لو أَتَتْ امْرَأَةُ الصَّبِيِّ بِوَلَدٍ فَإِنْ أَمْكَنَ وَطْؤُهُ لها لَحِقَهُ بِخِلَافِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فإنه لَا يَلْحَقُهُ بِهِ إلَّا بِالْوَطْءِ فَلَا يَلْحَقُهُ بِإِمْكَانِ الْوَطْءِ فيه لِعَدَمِ الْإِذْنِ له فيه وَعَطَفَ على لَا يُمْكِنُ قَوْلَهُ أو لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ منه كَمَوْلُودٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ من الْعَقْدِ أو له أَكْثَرُ من أَرْبَعِ سِنِينَ بَعْدَ غِيبَةٍ منه عنها يَتَعَذَّرُ فيها التَّلَاقِي بَيْنَهُمَا فَيَنْتَفِي عنه الْوَلَدُ لِمَا مَرَّ
الْبَابُ الثَّالِثُ في اللِّعَانِ وَفِيهِ أَطْرَافٌ أَرْبَعَةٌ الْأَوَّلُ في سَبَبِهِ وهو قَذْفُ الزَّوْجَةِ أو نَفْيُ الْوَلَدِ فَيُلَاعِنُ لِدَفْعِ حَدٍّ لَزِمَهُ بِقَذْفِهِ لها وَإِنْ لم يَكُنْ نِكَاحٌ وَلَا وَلَدٌ وَكَذَا لِدَفْعِ تَعْزِيرٍ وَجَبَ لِتَكْذِيبِهِ ظَاهِرًا بِأَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ غير الْمُحْصَنَةِ ولم يُعْلَمْ كَذِبُهُ ولم يَظْهَرْ صِدْقُهُ كَقَذْفِ صَغِيرَةٍ تُوطَأُ وَمَجْنُونَةٍ لَكِنْ لَا يُلَاعِنُ لِدَفْعِ تَعْزِيرِهِ لَهُمَا حتى تَكْمُلَا بِالْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ وَتُطَالَبَا بِهِ وكقذف أَمَةٍ وَذِمِّيَّةٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا لَاعَنَ لِدَفْعِ الْأَعْلَى فما دُونَهُ أَوْلَى وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ الْكَمَالِ لِأَنَّهَا قَبْلَهُ لَا يُعْتَمَدُ عليها وَلَا يُلَاعِنُ لِلدَّفْعِ لِتَعْزِيرٍ وَجَبَ لِتَأْدِيبٍ لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ أو ظُهُورِ صِدْقِهِ كَقَذْفِ صَغِيرَةٍ لَا تُوطَأُ وَإِنْ بَلَغَتْ وَطَالَبَتْ وكقذف كَبِيرَةٍ ثَبَتَ زِنَاهَا بِبَيِّنَةٍ أو إقْرَارِهِ أو لِعَانٍ منه مع امْتِنَاعِهَا منه أَمَّا في الْأَوَّلِ فَلِتَيَقُّنِ كَذِبُهُ فَلَا يُمَكَّنُ من الْحَلِفِ على أَنَّهُ صَادِقٌ فَيُعَزَّرُ لَا لِلْقَذْفِ لِأَنَّهُ كَاذِبٌ فيه قَطْعًا فلم يُلْحِقْ بها عَارًا مَنْعًا له من الْإِيذَاءِ وَالْخَوْضِ في الْبَاطِلِ
وَأَمَّا في الثَّانِي فَلِأَنَّ اللِّعَانَ لِإِظْهَارِ الصِّدْقِ وهو ظَاهِرٌ فَلَا مَعْنَى له وَلِأَنَّ التَّعْزِيرَ فيه لِلسَّبِّ وَالْإِيذَاءِ فَأَشْبَهَ التَّعْزِيرَ بِقَذْفِ صَغِيرَةٍ لَا تُوطَأُ وَيُعَزَّرُ فِيهِمَا تَأْدِيبًا لَا تَكْذِيبًا له وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَدَّ اللَّازِمَ لِلزَّوْجِ يُلَاعِنُ لِدَفْعِهِ
وَالتَّعْزِيرُ اللَّازِمُ له نَوْعَانِ تَعْزِيرُ تَكْذِيبٍ وهو ما شُرِعَ في حَقِّ الْقَاذِفِ الْكَاذِبِ ظَاهِرًا كَأَنَّهُ يَكْذِبُ بِمَا تَجَرَّأَ عليه فَلَهُ اللِّعَانُ لِدَفْعِهِ وَتَعْزِيرُ تَأْدِيبٍ وهو أَنْ يَكُونَ كَذِبُهُ مَعْلُومًا أو صِدْقُهُ ظَاهِرًا فَلَا لِعَانَ فِيهِمَا بَلْ يُعَزَّرُ تَأْدِيبًا
سَاقِطٌ من أَكْثَرِ النُّسَخِ مع أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ
وَيُلَاعِنُ لِنَفْيِ وَلَدِ الْمُطَلَّقَةِ وولد الْعَافِيَةِ عن الْحَدِّ أو التَّعْزِيرِ وَلَوْ بَائِنَتَيْنِ لِأَنَّهُ قَذَفَهُمَا في الزَّوْجِيَّةِ وَبِهِ حَاجَةٌ إلَى إظْهَارِ الصِّدْقِ وَالِانْتِقَامِ مِنْهُمَا لِتَلْطِيخِهِمَا فِرَاشَهُ ثُمَّ ما كان من حَدٍّ