فهرس الكتاب

الصفحة 1591 من 2058

فَلَوْ عَفَا بَعْضُ الْمُسْتَحِقِّينَ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَإِنْ كَرِهَ الْبَاقُونَ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ أو تَغْلِيبًا لِجَانِبِ السُّقُوطِ لِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَلَوْ عَفَا عن عُضْوٍ من الْجَانِي سَقَطَ الْقِصَاصُ كُلُّهُ كما أَنَّ تَطْلِيقَ بَعْضِ الْمَرْأَةِ تَطْلِيقٌ لِكُلِّهَا فَإِنْ وَقَتَّ الْعَفْوَ تَأَبَّدَ كَالطَّلَاقِ وَفِيهِ طَرَفَانِ أَحَدُهُمَا في حُكْمِ الْعَفْوِ وهو مَبْنِيٌّ على أَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ مَاذَا وقد بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ وَمُوجَبُ الْعَمْدِ بِفَتْحِ الْجِيمِ الْقِصَاصُ فَقَطْ وَلِذَا يَتَبَدَّلُ عنه لَا أَحَدُهُمَا مُبْهَمًا وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى وَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في خَبَرِ الرُّبَيِّعِ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ وَقَوْلِهِ من قَتَلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وأبو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ مُتْلِفٌ فَتَعَيَّنَ جِنْسُهُ كَالْمُتْلَفَاتِ الْمِثْلِيَّةِ وما ذَكَرْته تَبَعًا لِلْأَصْلِ من أَنَّ الدِّيَةَ بَدَلٌ عن الْقِصَاصِ لَا يُنَافِي قَوْلَ الْمَاوَرْدِيِّ إنَّمَا هِيَ بَدَلٌ عن نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عليه بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لو قَتَلَتْ رَجُلًا لَزِمَهَا دِيَةُ رَجُلٍ وَلَوْ كانت بَدَلًا عن الْقِصَاصِ لَزِمَهَا دِيَةُ الْمَرْأَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مع أنها عن الْقِصَاصِ بَدَلٌ عن نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عليه لِأَنَّ الْقِصَاصَ بَدَلٌ عن نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عليه وَبَدَلُ الْبَدَلِ بَدَلٌ وَإِنْ عَفَا عنه على غَيْرِ مَالٍ بِأَنْ قال عَفَوْت عنه أو عَفَوْت عنه بِلَا مَالٍ سَقَطَتْ الدِّيَةُ يَعْنِي لم تَجِبْ إذْ الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا كما مَرَّ وَالْعَفْوُ إسْقَاطٌ ثَابِتٌ لَا إثْبَاتُ مَعْدُومٍ

فَإِنْ لم يَكُنْ الْعَافِي حَائِزًا لِلْمِيرَاثِ فَلِلْبَاقِينَ حِصَّتُهُمْ من الدِّيَةِ على الْجَانِي وَإِنْ عَفَا عنه مُطْلَقًا بِأَنْ قال عَفَوْت عنه وَاخْتَارَهَا أَيْ الدِّيَةَ عَقِيبَ الْعَفْوِ وَجَبَتْ وَإِنْ كَرِهَ الْجَانِي الْعَفْوَ تَنْزِيلًا لِاخْتِيَارِهَا حِينَئِذٍ مَنْزِلَةَ الْعَفْوِ عليها بِخِلَافِ ما إذَا تَرَاخَى اخْتِيَارُهُ لها عن الْعَفْوِ فَلَا تَجِبُ وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَرِهَ الْجَانِي من زِيَادَتِهِ وَكَذَا بِقَوْلِهِ وَإِنْ عَفَا عنه على بَعْضِهَا جَازَ كَالْعَفْوِ على كُلِّهَا وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي وَلَوْ صَالَحَ هو أو غَيْرُهُ على غَيْرِهَا أَيْ الدِّيَةِ أَيْ غَيْرِ جِنْسِهَا أو على دِيَتَيْنِ أو أَكْثَرَ جَازَ إنْ قَبِلَ الْجَانِي وَإِلَّا فَلَا كَالْخُلْعِ وإذا لم يَجُزْ فَلَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ لِأَنَّ الْعِوَضَ لم يَحْصُلْ وَلَيْسَ كَالصُّلْحِ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ حَيْثُ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ فيه لِأَنَّ الْجَانِيَ ثَمَّ قد رضي وَالْتَزَمَ فَرَجَعْنَا إلَى بَدَلِ الدَّمِ وَقَوْلُهُ أو غَيْرِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صَالَحَ الْجَانِيَ وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ صَالَحَ الْمُسْتَحِقَّ فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدِ جَوَازِهِ بِقَبُولِ الْمُسْتَحِقِّ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ إنْ قَبِلَ الْجَانِي قَيْدٌ في الْأُولَى خَاصَّةً

وَلِلْمُفْلِسِ وَالْمَرِيضِ وَوَارِثِ الْمَدْيُونِ وَكَذَا السَّفِيهُ الْقِصَاصُ ولهم الْعَفْوُ عنه بِلَا مَالٍ بِنَاءً على أَنَّ الْوَاجِبَ الْقِصَاصُ عَيْنًا وَلَيْسَ في الْعَفْوِ عنه تَضْيِيعُ مَالٍ لَا الْعَفْوُ عن مَالٍ ثَبَتَ لِأَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ من التَّبَرُّعِ بِهِ

الطَّرَفُ الثَّانِي في صَحِيحِ الْعَفْوِ وَفَاسِدِهِ وَأَلْفَاظِهِ

إذَا قَطَعَهُ بِإِذْنِهِ وهو رَشِيدٌ فَمَاتَ سِرَايَةً فَلَا ضَمَانَ لِلْإِذْنِ وَتَبِعَ في تَعْبِيرِهِ بِالرَّشِيدِ الْمِنْهَاجَ قال الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِهِ إخْرَاجُ السَّفِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فإن الْحَجْرَ عليه في مَالِهِ لَا في نَفْسِهِ وَلِهَذَا له أَنْ يَعْفُوَ عن الْقِصَاصِ قَطْعًا ولم يُعَبِّرْ الْأَصْلُ وَالْمُحَرَّرُ بِالرَّشِيدِ بَلْ بِمَالِكِ أَمْرِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُرُّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ وَإِنْ كان مَحْجُورًا عليه وَتَجِبُ عليه الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْجِنَايَةِ على حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِبَاحَةُ لَا تُؤَثِّرُ فيها وَلَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ مَثَلًا فَعَفَا عن مُوجِبِ قَطْعِهَا فَإِنْ لم يَسْرِ الْقَطْعُ فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ أَسْقَطَ حَقَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ لم يَبْرَأْ من السِّرَايَةِ وَلَوْ قال مع عَفْوِهِ عن ذلك وعفوت عَمَّا يَحْدُثُ من الْقَطْعِ لِأَنَّهُ عَفْوٌ عن الشَّيْءِ قبل ثُبُوتِهِ لَكِنْ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ لِأَنَّ السِّرَايَةَ تَوَلَّدَتْ من مَعْفُوٍّ عنه فَانْتَهَضَتْ شُبْهَةٌ لِدَرْءِ الْقِصَاصِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ النَّفْسِ إلَّا بِاسْتِيفَاءِ الطَّرَفِ وقد عَفَا عنه فَمَعْنَى قَوْلِهِ لم يَبْرَأْ من السِّرَايَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الدِّيَةِ وَقَوْلُهُ من زِيَادَتِهِ إنْ مَاتَ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنْ أَوْصَى له بَعْدَ عَفْوِهِ عن الْقِصَاصِ بِدِيَةِ الْيَدِ فَوَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ فِيمَا يَحْدُثُ من الْقَطْعِ أَيْضًا كَأَنْ قال أَوْصَيْت له بِأَرْشِ الْقَطْعِ وَأَرْشِ ما يَحْدُثُ منه فَتَسْقُطُ دِيَةُ كُلٍّ من الْقَطْعِ وَالسِّرَايَةِ إنْ خَرَجَتْ من الثُّلُثِ وَإِلَّا سَقَطَ منها قَدْرُ الثُّلُثِ

وَإِنْ عَفَا عن عَبْدٍ لَزِمَهُ أَيْ تَعَلَّقَ بِهِ قِصَاصٌ له ثُمَّ مَاتَ سِرَايَةً صَحَّ الْعَفْوُ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عليه أو تَعَلَّقَ بِهِ مَالٌ له بِجِنَايَةٍ وَأَطْلَقَ الْعَفْوَ أو أَضَافَهُ إلَى السَّيِّدِ فَكَذَلِكَ أَيْ يَصِحُّ الْعَفْوُ لِأَنَّهُ عَفْوٌ عن حَقٍّ لَزِمَ السَّيِّدَ في عَيْنِ مَالِهِ أو إلَى الْعَبْدِ لَغَا الْعَفْوُ لِأَنَّ الْحَقَّ ليس عليه فَإِنْ عَفَا الْمَقْطُوعُ ثُمَّ مَاتَ سِرَايَةً أو عَفَا الْوَارِثُ في جِنَايَةِ الْخَطَأِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت