أَنْ يَبْدَأَ بِإِلْقَائِهِمْ قبل الْأَمْتِعَةِ وَقَبْلَ الْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ قال وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى في الْإِلْقَاءِ تَقْدِيمُ الْأَخَسِّ فَالْأَخَسِّ قِيمَةً من الْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ إنْ أَمْكَنَ حِفْظًا لِلْمَالِ ما أَمْكَنَ لَا عَبِيدٌ لِأَحْرَارٍ أَيْ لَا يَجُوزُ إلْقَاؤُهُمْ لِسَلَامَةِ الْأَحْرَارِ بَلْ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ فِيمَا ذُكِرَ وَإِنْ لم يُلْقِ من لَزِمَهُ الْإِلْقَاءُ حتى غَرِقَتْ السَّفِينَةُ فَهَلَكَ بِهِ شَيْءٌ أَثِمَ وَلَا ضَمَانَ عليه كما لو لم يُطْعِمْ مَالِكُ الطَّعَامِ الْمُضْطَرَّ حتى مَاتَ
وَيَحْرُمُ على الشَّخْصِ إلْقَاءُ الْمَالِ وَلَوْ مَالَهُ بِلَا خَوْفٍ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ وَيَضْمَنُ بِإِلْقَائِهِ مَالَ غَيْرِهِ وَلَوْ في حَالِ الْخَوْفِ بِلَا إذْنٍ من مَالِكِهِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ من غَيْرِ أَنْ يُلْجِئَهُ إلَى إتْلَافِهِ فَصَارَ كما لو أَكَلَ الْمُضْطَرُّ طَعَامَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِخِلَافِ ما لو أَلْقَاهُ بِإِذْنِهِ أو أَلْقَى مَالَ نَفْسِهِ وَلَوْ اخْتَصَّ الْخَوْفُ بِغَيْرِهِ بِأَنْ كان بِالشَّطِّ أو بِزَوْرَقٍ وَفَارَقَتْ هذه حِينَئِذٍ مَسْأَلَةَ الْمُضْطَرِّ إذَا أَطْعَمَهُ مَالِكُ الطَّعَامِ قَهْرًا بِأَنَّ الْمُطْعِمَ ثَمَّ دَافِعٌ لِلتَّلَفِ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الْمُلْقِي
فَلَوْ قال شَخْصٌ لِأَحَدِ الرُّكْبَانِ في السَّفِينَةِ أَلْقِ مَتَاعَك في الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ أو عَلَيَّ أَنْ أَضْمَنَهُ أو على إنِّي ضَامِنُهُ فَأَلْقَاهُ فيه لَزِمَهُ ضَمَانُهُ وَإِنْ لم يَكُنْ لِلْمُلْتَمِسِ فيها شَيْءٌ ولم تَحْصُلْ النَّجَاةُ لِأَنَّهُ الْتَمَسَ إتْلَافًا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ بِعِوَضٍ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَعْتِقْ عَبْدَك على كَذَا فَأَعْتَقَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ لِمَنْ معه أَسِيرٌ أَطْلِقْ الْأَسِيرَ ولمن له قِصَاصٌ اُعْفُ عن الْقِصَاصِ ولمن له طَعَامٌ أَطْعِمْ هذا الْجَائِعَ وَلَك عَلَيَّ كَذَا أو عَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَك كَذَا فَأَجَابَ سُؤَالَهُ فَيَلْزَمُهُ ما الْتَزَمَهُ بِخِلَافِ ما لو اقْتَصَرَ على قَوْلِهِ أَلْقِ مَتَاعَك في الْبَحْرِ وَنَحْوِهِ فَفَعَلَ لَا ضَمَانَ لِعَدَمِ الِالْتِزَامِ
وَفَارَقَ ما لو قال أَدِّ دَيْنِي بِأَنَّ نَفْعَ الْأَدَاءِ مُحَقَّقٌ بِخِلَافِ نَفْعِ الْإِلْقَاءِ وَيُخَالِفُ ما ذُكِرَ هُنَا ما لو قال بِعْ من زَيْدٍ بِمِائَةٍ وَعَلَى أُخْرَى حَيْثُ لَا ضَمَانَ على الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فيه غَرَضٌ ذَكَرُوهُ في الضَّمَانِ وفي الْخُلْعِ وَهَذَا ضَمَانٌ حَقِيقَتُهُ الِافْتِدَاءُ من الْهَلَاكِ لَا الضَّمَانُ الْمَعْرُوفُ وَإِنْ سُمِّيَ بِهِ إذْ لَا يَضْمَنُ ما لم يَجِبْ وَقَوْلُ الْبُلْقِينِيِّ لَا بُدَّ من أَنْ يُشِيرَ إلَى ما يُلْقِيهِ أو يَكُونَ مَعْلُومًا له وَإِلَّا فَلَا يَضْمَنُ إلَّا ما يُلْقِيهِ بِحَضْرَتِهِ فيه نَظَرٌ وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي بِالرُّكَّابِ حَسَنٌ بِخِلَافِ تَعْبِيرِهِ هُنَا بِالرُّكْبَانِ فَقَدْ قال النَّوَوِيُّ في تَهْذِيبِهِ أَنَّهُ مُنْكَرٌ وَالْمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ الرِّكَابُ لِأَنَّ الرُّكْبَانَ رَاكِبُو الْإِبِلِ خَاصَّةً وَقِيلَ رَاكِبُو الدَّابَّةِ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْمُلْتَمِسُ بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَخَافَ الْغَرَقَ فَإِنْ لم يَخَفْهُ لم يَضْمَنْ كما لو الْتَمَسَ هَدْمَ دَارِ غَيْرِهِ فَفَعَلَ وَأَنْ لَا يَخْتَصَّ مَالِكُهُ بِالْفَائِدَةِ أَيْ بِفَائِدَةِ الْإِلْقَاءِ بِأَنْ يَخْتَصَّ بها الْمُلْتَمِسُ أو أَجْنَبِيٌّ أو هُمَا أو أَحَدُهُمَا وَالْمَالِكُ أو يَعُمَّ الْجَمِيعَ بِخِلَافِ ما إذَا اخْتَصَّ بها الْمَالِكُ
فَلَوْ كان كُلُّ ما فيها له فقال له من بِالشَّطِّ أو بِزَوْرَقٍ بِقُرْبِهَا أَلْقِ كَذَا أَيْ مَتَاعَك أو بَعْضَهُ في الْبَحْرِ وأنا ضَامِنٌ له فَأَلْقَاهُ لم يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ولم يَحِلَّ لِلْمُعْيِنِ الْأَخْذُ لِأَنَّهُ فَعَلَ ما هو وَاجِبٌ عليه لِغَرَضِ نَفْسِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ عِوَضًا كما لو قال لِمُضْطَرٍّ كُلْ طَعَامَك وأنا ضَامِنُهُ لَك فَأَكَلَهُ لَا شَيْءَ على الْمُلْتَمِسِ وَلَا يَحِلُّ لِلْآكِلِ الْأَخْذُ
فَلَوْ قال أَلْقِ مَتَاعَك في الْبَحْرِ وأنا ضَامِنٌ له وَرُكَّابُ السَّفِينَةِ أو على أَنْ أَضْمَنَهُ أنا وَرُكَّابُهَا أو أنا ضَامِنٌ له وَهُمْ ضَامِنُونَ أو أنا وَرُكَّابُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ له كُلٌّ مِنَّا على الْكَمَالِ أو على أَنِّي ضَامِنٌ وَكُلٌّ منهم ضَامِنٌ لَزِمَهُ الْجَمِيعُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ أو قال أنا وَرُكَّابُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ له لَزِمَهُ قِسْطُهُ وَإِنْ لم يَقُلْ معه كُلٌّ مِنَّا بِالْحِصَّةِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْهُمْ أَيْ عن ضَمَانٍ سَبَقَ منهم فَصَدَّقُوهُ فيه لَزِمَهُمْ وَإِنْ أَنْكَرُوا صُدِّقُوا وَإِنْ صَدَّقَهُ بَعْضُهُمْ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ وَإِنْ قال أَنْشَأْت عَنْهُمْ الضَّمَانَ ثِقَةً بِرِضَاهُمْ لم يَلْزَمْهُمْ وَإِنْ رَضَوْا لِأَنَّ الْعُقُودَ لَا تُوقَفُ وَإِنْ قال أنا وَهُمْ ضُمَنَاءُ وَضَمِنْت عَنْهُمْ بِإِذْنِهِمْ طُولِبَ بِالْجَمِيعِ فَإِنْ أَنْكَرُوا الْإِذْنَ فَهُمْ الْمُصَدَّقُونَ حتى لَا يَرْجِعَ عليهم صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ
فَإِنْ وفي نُسْخَةٍ وَإِنْ قال أنا وَهُمْ ضَامِنُونَ له وَأُصَحِّحُهُ أو أُخَلِّصُهُ من مَالِهِمْ أو من مَالِي لَزِمَهُ الْجَمِيعُ لو قال اخْلَعْهَا على أَلْفٍ أُصَحِّحُهَا لَك أو أَضْمَنُهَا لَك من مَالِهَا يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ أو من مَالِي في الثَّانِيَةِ وَبِقَوْلِهِ من مَالِهِمْ في الْأُولَى من زِيَادَتِهِ وَإِنْ قال أنا وَهُمْ ضَامِنُونَ له ثُمَّ بَاشَرَ الْإِلْقَاءَ بِإِذْنِهِ أَيْ الْمَالِكِ فَهَلْ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْإِتْلَافَ أو قِسْطَهُ عَمَلًا بِقَضِيَّةِ اللَّفْظِ وَجْهَانِ حَكَى الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ عن الْقَاضِي أبي حَامِدٍ وقال الْأَذْرَعِيُّ إنَّهُ نَصُّ الْأُمِّ
وَلَوْ قال أَلْقِ مَتَاعَك وَعَلَيَّ نِصْفُ الضَّمَانِ وَعَلَى فُلَانٍ ثُلُثُهُ وَعَلَى فُلَانٍ سُدُسُهُ لَزِمَهُ النِّصْفُ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وهو مَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ وَتُعْتَبَرُ