فهرس الكتاب

الصفحة 571 من 2058

كما سَيَأْتِي في بَابِ حَدِّ الْخَمْرِ لَا تَنَاوُلُ غَيْرِهَا من النَّجَاسَاتِ لِذَلِكَ فَيَجُوزُ بِقَيْدٍ زَادَهُ بِقَوْلِهِ إنْ لم يَجِدْ غَيْرَهَا من الطَّاهِرَاتِ يَقُومُ مَقَامَهَا لِأَمْرِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْعُرَنِيِّينَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقِيسَ بِالْأَبْوَالِ غَيْرُهَا مِمَّا لَا يُسْكِرُ بِخِلَافِ ما إذَا وُجِدَ غَيْرُهَا مِمَّا ذُكِرَ فَلَا يَجُوزُ ذلك وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ خَبَرُ ابْنِ حِبَّانَ السَّابِقُ وَلَوْ تَبَخَّرَ بَنْدٌ بِفَتْحِ النُّونِ نَوْعٌ من الطِّيبِ عُجِنَ بِخَمْرٍ جَازَ لِأَنَّ دُخَانَهُ ليس دُخَانَ نَفْسِ النَّجَاسَةِ بَلْ دُخَانٌ مُتَنَجِّسٌ وهو لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الِاسْتِعْمَالِ وَإِنْ كان دُخَانُ الْمُتَنَجِّسِ كَدُخَانِ النَّجَسِ في النَّجَاسَةِ لِأَنَّ الثَّوْبَ الْمُتَنَجِّسَ مَثَلًا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ بِخِلَافِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قبل دَبْغِهِ وَيُشْرَبُ الْبَوْلُ لِلْعَطَشِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ النَّجَسِ لَا عِنْدَ وُجُودِهِ لِأَنَّ الْمَاءَ النَّجِسَ أَخَفُّ منه لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ طَارِئَةٌ

فَصْلٌ وَلِلْمُضْطَرِّ أَنْ يُؤْثِرَ بِطَعَامِهِ على نَفْسِهِ مُسْلِمًا مُضْطَرًّا غير مُرَاقِ الدَّمِ بَلْ يُسْتَحَبُّ له ذلك وَإِنْ كان أَوْلَى بِهِ كما ذَكَرَهُ الْأَصْلُ وَغَيْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَيُؤْثِرُونَ على أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كان بِهِمْ خَصَاصَةٌ وقال الْإِمَامُ لَا خِلَافَ فيه وَإِنْ أَدَّى إلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ شَامِلَةٌ لِلْجَمِيعِ وهو من شِيَمِ الصَّالِحِينَ بَلْ إنْ كان الْمُسْلِمُ نَبِيًّا لَزِمَهُ بَذْلُهُ له كما ذَكَرَهُ الْأَصْلُ وَأَمَّا خَبَرُ ابْدَأْ بِنَفْسِك فَمَحْمُولٌ على غَيْرِ ذلك وَمِنْهُ قَوْلُهُ لَا ذِمِّيًّا أو كَافِرًا غير ذِمِّيٍّ كما فُهِمَ بِالْأَوْلَى ولا بَهِيمَةً أَيْ ليس له أَنْ يُؤْثِرَهُمَا على نَفْسِهِ لِكَمَالِ شَرَفِ الْمُسْلِمِ على غَيْرِهِ وَالْآدَمِيِّ على الْبَهِيمَةِ

وَإِنْ بَذَلَ الطَّعَامَ مَالِكُهُ وَلَوْ مُضْطَرًّا لِمُضْطَرٍّ آخَرَ هِبَةً لَزِمَهُ قَبُولُهُ لِدَفْعِهِ الْهَلَاكَ عن نَفْسِهِ أو بَذَلَهُ له بِثَمَنِ الْمِثْلِ في مَكَانِهِ وَزَمَانِهِ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ حتى بِإِزَارِهِ الْمُسْتَتِرِ بِهِ وَيُصَلِّي عُرْيَانًا لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ أَخَفُّ من أَكْلِ الْمَيْتَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الطَّعَامِ قَهْرًا بِخِلَافِ أَخْذِ سَاتِرِ الْعَوْرَةِ إلَّا إنْ خَشِيَ على نَفْسِهِ التَّلَفَ بِالْبَرْدِ فَلَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ بِإِزَارِهِ ولزمه شِرَاؤُهُ في الذِّمَّةِ إنْ كان مُعْسِرًا وَإِنْ لم يَكُنْ له مَالٌ في مَحَلٍّ آخَرَ وَيَلْزَمُ الْمَالِكَ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ في الذِّمَّةِ وهو مُرَادُ الْأَصْلِ بِالْبَيْعِ نَسِيئَةً وَإِلَّا فَالْوَجْهُ كما قال جَمَاعَةٌ جَوَازُ الْبَيْعِ بِحَالٍ لَكِنْ لَا يُطَالِبُهُ إلَّا عِنْدَ قُدْرَتِهِ لِإِعْسَارِهِ في الْحَالِ فَإِنْ امْتَنَعَ الْمَالِكُ أو وَلِيُّ الصَّبِيِّ من بَذْلِهِ له بِعِوَضٍ لِمُضْطَرٍّ مُحْتَرَمٍ وهو أَيْ الْمَالِكُ أو الصَّبِيُّ وَمِثْلُهُ الْمَجْنُونُ كما صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ غَنِيٌّ عنه في الْحَالِ أَثِمَ وَإِنْ احْتَاجَهُ في الْمَآلِ لِأَنَّ في امْتِنَاعِهِ إعَانَةً على قَتْلِهِ وَلِأَنَّهُ لو قَدَرَ على إنْقَاذِهِ بِنَفْسِهِ من غَرَقٍ وَنَحْوِهِ لَوَجَبَ فَكَذَا بِمَالِهِ بِخِلَافِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ في الْحَالِ فإنه أَوْلَى بِهِ من غَيْرِهِ وَلَوْ مُضْطَرًّا كما قَدَّمْتُهُ وَيَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ قِتَالُهُ أَيْ الْمُمْتَنِعِ مِمَّا ذُكِرَ عليه وَلَا يَجِبُ قِتَالُهُ كَالصَّائِلِ بَلْ أَوْلَى وَلِأَنَّ عَقْلَ الْمَالِكِ وَدِينَهُ يَبْعَثَانِهِ على الْإِطْعَامِ وهو وَاجِبٌ عليه فَجَازَ أَنْ يُجْعَلَ الْأَمْرُ مَوْكُولًا إلَيْهِ لَكِنْ إنَّمَا يَجُوزُ قِتَالُهُ على ما يَدْفَعُ ضَرُورَتَهُ وهو ما يَسُدُّ الرَّمَقَ إلَّا أَنْ يُخْشَى الْهَلَاكُ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا

وَلَا يُقْتَصُّ منه لِلْمُمْتَنِعِ إنْ قَتَلَهُ وَلَا يُؤْخَذُ له دِيَةٌ وَيُقْتَصُّ له إنْ قَتَلَهُ الْمُمْتَنِعُ لِأَنَّهُ لم يَتَعَدَّ بِخِلَافِ الْمُمْتَنِعِ فَإِنْ عَجَزَ عن أَخْذِهِ منه وَمَاتَ جُوعًا فَلَا ضَمَانَ على الْمُمْتَنِعِ إذْ لم يَحْدُثْ منه فِعْلٌ مُهْلِكٌ لَكِنَّهُ يَأْثَمُ وينبغي له فِيمَا إذَا لم يَبْذُلْهُ له إلَّا بِأَكْثَرَ من ثَمَنِ مِثْلِهِ أَنْ يَحْتَالَ في أَخْذِهِ منه بِبَيْعٍ فَاسِدٍ لِئَلَّا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ من قِيمَتِهِ كَأَنْ يَقُولَ اُبْذُلْهُ لي بِعِوَضٍ فَيَبْذُلُهُ له بِعِوَضٍ ولم يُقَدِّرْهُ أو يُقَدِّرُهُ ولم يُفْرِدْ له ما يَأْكُلُهُ فَيَلْزَمُهُ مِثْلُ ما أَكَلَهُ إنْ كان مِثْلِيًّا وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ في ذلك الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَلَهُ أَنْ يَشْبَعَ فَإِنْ اشْتَرَاهُ منه بِأَكْثَرَ من ثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُتَغَابَنُ بِهِ وهو قَادِرٌ على قَهْرِهِ وَأَخْذِهِ منه لَزِمَهُ ذلك وَإِنْ غُبِنَ في شِرَائِهِ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ في الِالْتِزَامِ فَكَانَ كما لو اشْتَرَاهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَكَذَا لو عَجَزَ عن أَخْذِهِ وَاشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ من ثَمَنِ مِثْلِهِ لَزِمَهُ لِذَلِكَ وَكَمَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُصَادَرِ من جِهَةِ ظَالِمٍ لِدَفْعِ الْأَذَى عنه إذْ لَا إكْرَاهَ على الْبَيْعِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَيْ مَالِكَهُ بَذْلُهُ إلَّا بِعِوَضٍ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ وَلَا أُجْرَةَ لِمَنْ خَلَّصَ مُشْرِفًا على الْهَلَاكِ بِوُقُوعِهِ في مَاءٍ أو نَارٍ أو نَحْوِهِمَا أَيْ يَلْزَمُهُ تَخْلِيصُهُ بِلَا أُجْرَةٍ لِضِيقِ الْوَقْتِ عن تَقْدِيرِ الْأُجْرَةِ

فَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِتَقْدِيرِهَا لم يَجِبْ تَخْلِيصُهُ إلَّا بِأُجْرَةٍ كما في التي قَبْلَهَا فَإِنْ فُرِضَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت