نَذَرَ الذَّبْحَ فيه أَيْ في الْحَرَمِ وَالتَّفْرِقَةَ في غَيْرِهِ تَعَيَّنَ الْمَكَانَانِ أَيْ مَكَانَا الذَّبْحِ وَالتَّفْرِقَةِ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا قُرْبَةٌ
وَلَوْ نَذَرَ الذَّبْحَ وَالتَّفْرِقَةَ أو نَوَاهَا بِبَلَدٍ غَيْرِ الْحَرَمِ تَعَيَّنَا فيه لِأَنَّهُ قَيَّدَهُمَا جميعا بِهِ فَأَشْبَهَ تَقْيِيدَهُمَا بِالْحَرَمِ وَلِأَنَّ الذَّبْحَ وَسِيلَةٌ إلَى التَّفْرِقَةِ الْمَقْصُودَةِ فلما جَعَلَ مَكَانَهُ مَكَانَهَا اقْتَضَى تَعَيُّنَهُ تَبَعًا أو نَذَرَ الْأُضْحِيَّةَ في بَلَدٍ تَعَيَّنَتْ أَيْ تَعَيَّنَ ذَبْحُهَا مع التَّفْرِقَةِ فيه لِتَضَمُّنِهَا التَّفْرِقَةَ فيه
وَإِنْ نَذَرَ الذَّبْحَ بِأَفْضَلِ بَلَدٍ فَمَكَّةُ مُعَيَّنَةٌ لِلذَّبْحِ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْبِلَادِ وَمَنْ نَذَرَ لِمُعَيَّنٍ كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ على فُلَانٍ فَشُفِيَ فَأَعْطَاهُ الْعَشَرَةَ ولم يَقْبَلْ بَرِئَ لِأَنَّهُ أتى بِمَا عليه وَلَا قُدْرَةَ له على قَبُولِ غَيْرِهِ قال الزَّرْكَشِيُّ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ فُلَانٌ على قَبُولِهِ وَيُفَارِقُ الزَّكَاةَ بِأَنَّ مُسْتَحِقِّيهَا إنَّمَا أُجْبِرُوا على قَبُولِهَا خَوْفَ تَعْطِيلِ أَحَدِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ النَّذْرِ
ا ه
وَيُفَارِقُهُ أَيْضًا بِأَنَّ مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ مَلَكُوهَا بِخِلَافِ مُسْتَحِقِّ النَّذْرِ وَلِلْمَنْذُورِ له مُطَالَبَتُهُ بِالْمَنْذُورِ بَعْدَ الشِّفَاءِ إنْ لم يُعْطِهِ النَّاذِرُ ذلك كَالْمَحْصُورِينَ من الْفُقَرَاءِ لهم الْمُطَالَبَةُ بِالزَّكَاةِ التي وَجَبَتْ وَكَمَا لو نَذَرَ إعْتَاقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ إنْ شُفِيَ فَشُفِيَ له الْمُطَالَبَةُ بِالْإِعْتَاقِ فَرْعٌ في فَتَاوَى الْقَفَّالِ لو قال لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَ الْفُقَرَاءَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ولم يُرِدْ بِهِ الصَّدَقَةَ لم يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كما لو قال لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُحِبَّ الْفُقَرَاءَ وَفِيهِ كما قال الْأَذْرَعِيُّ نَظَرٌ إذْ لَا يُفْهَمُ من ذلك إلَّا الصَّدَقَةُ
فَصْلٌ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ بِبَدَنَةٍ وَقَيَّدَهَا بِالْإِبِلِ كَأَنْ قال بِبَدَنَةٍ من الْإِبِلِ أو نَوَاهَا أو أَطْلَقَ تَعَيَّنَتْ أَيْ الْبَدَنَةُ منها أَيْ من الْإِبِلِ فَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا مع وُجُودِهَا لِلتَّقْيِيدِ بها في غَيْرِ الْأَخِيرَةِ وَلِغَلَبَةِ الْإِطْلَاقِ عليها في الْأَخِيرَةِ وَلِأَنَّهَا وَإِنْ أُطْلِقَتْ على الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ أَيْضًا كما صَحَّحَهُ في الْمَجْمُوعِ فَهِيَ في الْإِبِلِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا فَإِنْ عُدِمَتْ وقد أَطْلَقَ نَذْرَهُ فَبَقَرَةٌ أو سَبْعُ شِيَاهٍ ظَاهِرُهُ كَالرَّوْضَةِ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَجِبُ بَقَرَةٌ فَإِنْ عُدِمَتْ فَسَبْعُ شِيَاهٍ كما صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ أو عُدِمَتْ وقد قَيَّدَ نَذْرَهُ بها لَفْظًا أو نِيَّةً وَجَبَ عليه أَنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَتِهَا بَقَرَةً وَيُفَارِقُ ذلك عَدَمَ اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا حَالَةَ الْإِطْلَاقِ بِأَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ وَمَعْهُودُ الشَّرْعِ لَا تَقْوِيمَ فيه فَإِنْ فَضَلَ من قِيمَتِهَا شَيْءٌ فَأُخْرَى أَيْ فَيَشْتَرِي بِهِ بَقَرَةً أُخْرَى إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَشَاةً أَيْ وَإِنْ لم يُمْكِنْ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ بَقَرَةً فَيَشْتَرِي بِهِ شَاةً أو شِقْصًا من بَدَنَةٍ أو بَقَرَةٍ إنْ أَمْكَنَ بِمُشَارَكَةِ غَيْرِهِ وَإِنْ لم يَجِدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَدَرَاهِمَ يَعْنِي فَيَتَصَدَّقُ بِالْفَاضِلِ دَرَاهِمَ على الْمَسَاكِينِ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا فَشَاةً إلَى آخِرِهِ من تَصَرُّفِهِ وهو تَصَرُّفٌ حَسَنٌ وَاَلَّذِي في الْأَصْلِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إخْرَاجِ الْفَاضِلِ فقال الرُّويَانِيُّ يَشْتَرِي بِهِ بَقَرَةً أُخْرَى إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ كما قَالَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ أو يَشْتَرِي بِهِ شِقْصًا وَجْهَانِ وقال الْمُتَوَلِّي يُشَارِكُ في بَدَنَةٍ أو بَقَرَةٍ أو يَشْتَرِي بِهِ شَاةً فَإِنْ عُدِمَتْ الْبَقَرَةُ فَالشِّيَاهُ السَّبْعُ يَشْتَرِيهَا بِقِيمَةِ الْبَدَنَةِ وَالتَّصْرِيحُ بِتَرْجِيحِ تَرْتِيبِ الشِّيَاهِ على الْبَقَرَةِ وَتَرْجِيحِ اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا بِقِيمَةِ الْبَدَنَةِ لَا بِقِيمَةِ الْبَقَرَةِ وَلَا بِأَكْثَرِهِمَا من زِيَادَتِهِ وَلَوْ وَجَدَ بِقِيمَتِهَا أَيْ الْبَدَنَةِ ثَلَاثَ شِيَاهٍ أَتَمَّهَا أَيْ الثَّلَاثَ من مَالِهِ سَبْعًا لِأَنَّهَا التي تَقُومُ مَقَامَ الْبَدَنَةِ
وَلَوْ نَذَرَ شَاةً فَذَبَحَ بَدَلَهَا بَدَنَةً جَازَ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ منها قال صَاحِبُ الْبَيَانِ وَمَحَلُّهُ إذَا نَذَرَهَا في ذِمَّتِهِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ عَدَمَ الْجَوَازِ وفي كَوْنِهَا كُلِّهَا فَرْضًا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نعم على اضْطِرَابٍ فيه بَيَّنْتُهُ في صِفَةِ الصَّلَاةِ
فَرْعٌ في الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ في الْحَيَوَانِ الْمَنْذُورِ وإذا قال لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ أو أُهْدِيَ ولم يُسَمِّ شيئا لَزِمَهُ ما يُجْزِئُ في الْأُضْحِيَّةِ حَمْلًا على مَعْهُودِ الشَّرْعِ فَإِنْ عَيَّنَ عن نَذْرِهِ بَدَنَةً أو بَقَرَةً أو شَاةً تَعَيَّنَتْ بِشُرُوطِهَا أَيْ الْأُضْحِيَّةِ لِذَلِكَ فَلَا يُجْزِئُ فَصِيلٌ وَلَا عِجْلٌ وَلَا سَخْلَةٌ فَإِنْ تَعَيَّبَ الْهَدْيُ الْمَنْذُورُ أو الْمُعَيَّنُ عن نَذْرِهِ تَحْتَ السِّكِّينِ عِنْدَ ذَبْحِهِ أَجْزَأَهُ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ كما مَرَّ في بَابِهَا لِأَنَّ الْهَدْيَ ما يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ وَبِالْوُصُولِ إلَيْهِ حَصَلَ الْإِهْدَاءُ وَالتَّضْحِيَةُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالذَّبْحِ وما ذَكَرَهُ من إجْزَاءِ الْهَدْيِ نَقَلَهُ الْأَصْلُ