فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 2058

لِأَنَّ الْقُرْبَةَ إنَّمَا تَتِمُّ في إتْيَانِهِ بِنُسُكِهِ وَالنَّذْرُ مَحْمُولٌ على الْوَاجِبِ وَحُرْمَةُ الْحَرَمِ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ من الْأَمْكِنَةِ وَنَحْوِهَا في تَنْفِيرِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ قال في نَذْرِهِ بِلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ فإنه يَلْزَمُهُ ذلك وَيَلْغُو النَّفْيُ وَصَحَّحَ الْبُلْقِينِيُّ خِلَافَهُ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِمَا يُنَافِيهِ وقد يُؤَيَّدُ بِمَا لو نَذَرَ أُضْحِيَّةً على أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ بها فإنه لَا يَنْعَقِدُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ شَدِيدُ التَّشَبُّثِ وَلَا يَتَعَيَّنُ الرُّكُوبُ وَلَا الْمَشْيُ فِيمَا ذُكِرَ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ لَا يَقْتَضِيهِمَا

وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ ولم يَنْوِ الْحَجَّ أو أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ ولم يَنْوِ الْبَيْتَ الْحَرَامَ لم يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فِيهِمَا لِأَنَّ عَرَفَاتٍ من الْحِلِّ فَهِيَ كَبَلَدٍ آخَرَ وَبَيْتُ اللَّهِ يَصْدُقُ بِبَيْتِهِ الْحَرَامِ وَبِسَائِرِ الْمَسَاجِدِ ولم يُقَيِّدْهُ بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ فَإِنْ نَوَى الْحَجَّ في الْأُولَى وَالْحَرَمِ في الثَّانِيَةِ لَزِمَهُ ما نَوَاهُ وَكَلَفْظِ الْإِتْيَانِ فِيمَا ذُكِرَ لَفْظُ الِانْتِقَالِ وَالذَّهَابِ وَالْمُضِيِّ وَالْمَصِيرِ وَالسَّيْرِ وَنَحْوِهَا وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَمَسَّ بِثَوْبِهِ الْكَعْبَةِ فَكَمَا لو نَذَرَ إتْيَانَهَا وفي نُسْخَةٍ لَزِمَهُ إتْيَانُهَا أَيْ بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ من مَسِّهَا بِثَوْبِهِ إلَّا بِإِتْيَانِهَا وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْحَرَمِ لَزِمَهُ الْمَشْيُ من بَيْتِهِ وَإِنْ لم يُصَرِّحْ بِالْمَشْيِ منه وَالْإِحْرَامُ من الْمِيقَاتِ وَإِنْ نَذَرَ إتْيَانَ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أو الْأَقْصَى وفي نُسْخَةٍ وَالْأَقْصَى لم يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ وَيَلْغُو النَّذْرُ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ لَا يَجِبُ قَصْدُهُ بِالنُّسُكِ فلم يَجِبْ إتْيَانُهُ بِالنَّذْرِ كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَيُفَارِقُ لُزُومَ الِاعْتِكَافِ فِيهِمَا بِالنَّذْرِ بِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ في نَفْسِهِ وهو مَخْصُوصٌ بِالْمَسْجِدِ فإذا كان لِلْمَسْجِدِ فَضْلٌ وَلِلْعِبَادَةِ فيه مَزِيدُ ثَوَابٍ فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ فَضِيلَةً في الْعِبَادَةِ الْمُلْتَزَمَةِ وَالْإِتْيَانَ بِخِلَافِهِ

وَحُكْمُ نَذْرِ الصَّلَاةِ في الْمَسَاجِدِ حُكْمُ نَذْرِ الِاعْتِكَافِ فيها وقد سَبَقَ في بَابِهِ فَلَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أو مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أو الْأَقْصَى تَعَيَّنَ دُونَ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَيَقُومُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ مَقَامَ مَسْجِدَيْ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى لَا الْعَكْسِ وَيَقُومُ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ مَقَامَ الْأَقْصَى لَا الْعَكْسُ

وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ في الْكَعْبَةِ وَصَلَّى في أَطْرَافِ الْمَسْجِدِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْجَمِيعَ من الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنْ كان في الْكَعْبَةِ زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فيه أَيْ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ في مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ عن أَكْثَرَ منها بِأَنْ بِمَعْنَى كان نَذَرْت فَلَوْ نَذَرَ أَلْفَ صَلَاةٍ في مَسْجِدٍ لم تُجْزِهِ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ في مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ كما لو نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ في مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ صَلَاةً لَا تُجْزِئُهُ أَلْفُ صَلَاةٍ في غَيْرِهِ وَإِنْ عَدَلَتْ بها كما أَنَّهُ لو نَذَرَ قِرَاءَةَ ثُلُثِ الْقُرْآنِ فَقَرَأَ قُلْ هو اللَّهُ أَحَدٌ لَا يُجْزِئُهُ وَإِنْ عَدَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ

فَرْعٌ لو قال لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّي الْفَرَائِضَ في الْمَسْجِدِ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فيه بِنَاءً على أَنَّ صِفَاتِهَا تُفْرَدُ بِالِالْتِزَامِ بِخِلَافِ النَّفْلِ وَالْفَرْقُ أَنَّ أَدَاءَ الْفَرِيضَةِ في الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ وَلَا يَتَعَيَّنُ لها مَسْجِدٌ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لو عَيَّنَ لها مَسْجِدًا غير الثَّلَاثَةِ جَازَ أَدَاؤُهَا في غَيْرِهِ وهو ظَاهِرٌ

وَمَنْ نَذَرَ زِيَارَةَ قَبْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ لِأَنَّ زِيَارَةَ قَبْرِهِ من الْقُرَبِ الْمَطْلُوبَةِ وفي لُزُومِهِ بِنَذْرٍ زِيَارَةُ قَبْرِ غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ أَيْ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا اللُّزُومُ في حَقِّ الرَّجُلِ لَا سِيَّمَا إذَا كان الْمَقْبُورُ صَالِحًا لِأَنَّ ذلك قُرْبَةٌ لِخَبَرِ زُورُوا الْقُبُورَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ زِيَارَةَ سَائِرِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ كَزِيَارَةِ قُبُورِ غَيْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم

فَرْعٌ لو قال لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ لم يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وإن نَوَى معه حَاجًّا أو مُعْتَمِرًا أو إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ لَزِمَهُ ما نَوَاهُ وَجُعِلَ كَأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ

النَّوْعُ الرَّابِعُ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَلَوْ نَذَرَ ذَبْحَ شَاةٍ مَثَلًا ولم يُعَيِّنْ لِلذَّبْحِ بَلَدًا أو عَيَّنَ له غير الْحَرَمِ ولم يَنْوِ فِيهِمَا التَّضْحِيَةَ وَلَا الصَّدَقَةَ بِلَحْمِهَا لم يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ لِأَنَّهُ لم يُعَلِّقْهُ بِقُرْبَةٍ بِخِلَافِ ما إذَا نَوَى ذلك أو عَيَّنَ الْحَرَمِ وقد صَرَّحَ بِالثَّانِي في قَوْلِهِ وَلَوْ نَذَرَ الذَّبْحَ في الْحَرَمِ انْعَقَدَ نَذْرُهُ فَيَلْزَمُهُ الذَّبْحُ فيه وَإِنْ لم يَنْوِ ذلك لِأَنَّ ذِكْرَ الذَّبْحِ في النَّذْرِ مُضَافًا إلَى الْحَرَمِ يُشْعِرُ بِالْقُرْبَةِ وَلِأَنَّ الذَّبْحَ فيه عِبَادَةٌ مَعْهُودَةٌ وَلَزِمَهُ التَّفْرِقَةُ فيه حَمْلًا على وَاجِبِ الشَّرْعِ

وَلَوْ نَذَرَ هَدْيَ بَدَنَةٍ مَثَلًا إلَى الْحَرَمِ بِأَنْ قال لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً إلَى الْحَرَمِ أو أَنْ أَتَقَرَّبَ بِسَوْقِهَا إلَيْهِ لَزِمَهُ الذَّبْحُ وَالتَّفْرِقَةُ فيه لِذَلِكَ وَتَعْبِيرُهُ بِالْحَرَمِ أَوْلَى من تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِمَكَّةَ فَإِنْ نَذَرَ الذَّبْحَ في غَيْرِ الْحَرَمِ أو بِسِكِّينٍ وَلَوْ مَغْصُوبًا ونذر التَّفْرِقَةَ فِيهِمَا في الْحَرَمِ تَعَيَّنَ مَكَانُ التَّفْرِقَةِ لِلَّحْمِ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ فَقَطْ أَيْ دُونَ الذَّبْحِ وَلَوْ بِالسِّكِّينِ الْمُعَيَّنَةِ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ فيه خَارِجَ الْحَرَمِ وَلَا في الذَّبْحِ بِسِكِّينٍ مُعَيَّنٍ وَلَوْ في الْحَرَمِ فَيَذْبَحُ حَيْثُ شَاءَ وَبِأَيِّ سِكِّينٍ شَاءَ وَيُفَرِّقُ في الْحَرَمِ وَقَوْلُهُ أو بِسِكِّينٍ وَلَوْ مَغْصُوبًا من زِيَادَتِهِ أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت