عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت الآية. وروى عن ابن عمر قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. إذن، هذا هو أصح ما قيل في أمر الحجاب؛ وما عدا هذين القولين من الأقوال والروايات فهي واهية، لا يقوم شيء منها على ساق. [1]
وقد ذكر بأن الآية تتضمن ستة عشر مسألة، تدل التاسعة منها على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب، في حاجة تعرض أو مسألة يستفتين فيها؛ ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى؛ وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها، ولا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة ماسة، كالشهادة أو المرض، أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها. [2] لكن القول بأن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها، يعترض عليه بكونه لا ينبني على دليل صريح. أما المسألة الحادية عشرة فهي دليل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع الأجنبية؛ وإن مجانبة ذلك هو أحسن لحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته؛ بحيث أن قوله تعالى: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} المراد به أي: من الخواطر التي تعرض للرجال والنساء، بعضهم في أمر بعض؛ يعني ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية. [3] وأخيرا في المسألة السادسة عشرة، ليس بعيدا أن تكون الآية قد نزلت عند هذه الأسباب كلها والله أعلم؛ حيث سبق بيان سبب نزول الحجاب من حديث أنس؛ وقول عمر -رضي الله عنهما-، الذي كان يقول لسودة إذا خرجت وكانت امرأة طويلة: قد رأيناك يا سودة، حرصا منه على أن ينزل الحجاب؛ فأنزل الله آية الحجاب، لكن لما توفيت زينب بنت جحش قال: لا يشهد جنازتها إلا ذو محرم منها؛ وذلك مراعاة للحجاب الذي نزل بسببها، فدلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش في القبة؛
(1) انظر: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي القرآن، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، شارك في تحقيق الجزء: محمد رضوان عرقسوسي و ماهر حبوش، عدد الأجزاء: 24، ط 1، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1427 هـ-2006 م) ، 17/ 202 - 203.
(2) انظر"ع. س"، ص: 206.
(3) انظر"ع. س"، ص: 208.