وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه عمر. وروي أن ذلك صنع في جنازة فاطمة -رضي الله عنها-. [1]
وفي هذا رد واضح على القائلين بأنه ليس هناك فتنة في تبرج المرأة يخاف منها؛ وإنما هو مجرد رأي شعبي شائع، فهذه أمهات المؤمنين محرمات عليهم أبدا؛ ورغم ذلك أمرن بالحجاب؛ فمن باب أولى غيرهن من النساء، بل المرأة تستر حتى في نعشها وهي ميتة، فمن باب أولى سترها وهي حية تتحرك؛ إلا أن الله تعالى خفف عنها فلم يأمرها بتغطية الوجه كما عليه جمهور العلماء والفقهاء منذ عصر الصحابة -رضوان الله عليهم-.
-قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ؛ [2] يلاحظ في الآيتين الكريمتين، مساواة الله تعالى فيهما بين الجنسين من الناحية الدينية، وما جرى فيه التساوي من الأمر بالغض من البصر؛ زيادة على التفصيل في موضوع الحجاب. فالأمر هنا للوجوب، وهو حكم متعلق بأفعال المكلفين جاء به خطاب الشرع؛ حيث إن الأحكام الشرعية والقضايا الفقهية هي وسائل مقاصد المكلفين، ومناط مصالح الدنيا والدين؛ وهي بذلك أجل العلوم قدرا وأعلاها شرفا وذكرا، لما يتعلق بها من مصالح العباد في المعاش والمعاد؛ من أجل ذلك كانت أولى بالالتفات وأجدر بالاعتماد. [3] هذا، وإن أقسام الأحكام
(1) انظر أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي،"ع. س"، ص: 211 - 212.
(2) سورة النور، الآية: 30 ـ 31.
(3) انظر سيف الدين أبو الحسن علي بن محمد الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، عدد الأجزاء: 4، (مصر: مطبعة المعارف، 1332 هـ-1914 م) ، 1/ 2 - 3. وانظر أبو إسحق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، 1/ 109 - 186."ع. س"