بدليل ظني، كالعمرة عند من أوجبها، وهو مذهب أبي حنيفة؛ وقيل أيضا في الفرض، بأنه ما لا يسامح في تركه عمدا ولا سهوا، نحو أركان الصلاة؛ بينما يسامح في الواجب إذا وقع من غير عمد؛ ثم إن الفرض في اللغة هو التأثير، ومنه فرضه النهر والقوس؛ والوجوب هو السقوط، ومنه وجبت الشمس والحائط إذا سقطا؛ ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} . [1] فاقتضى تأكد الفرض على الواجب شرعا، ليوافق مقتضاه لغة؛ ولا خلاف في انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون؛ ثم إنه لا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعنى. هذا، ويصطلح كثير من العلماء على إطلاق الواجب على السنة المؤكدة تأكيدا قويا. لكن الفرض عند الجمهور يرادف الواجب شرعا، وثوابهما سواء وكذا صيغتهما، وليس أحدهما آكد من الآخر. [2]
والأمر هنا للوجوب، فلقد جاء في تفسير الآية المذكورة أعلاه، أنه لما كان الغض التام غير ممكن، جيء في الآية بحرف (من) الذي هو للتبعيض في إشارة لذلك، إذ من المفهوم أن المأمور بالغض فيه إنما هو ما لا يليق تحديق النظر إليه؛ وذلك يتذكره المسلم من استحضاره لأحكام الحلال والحرام في هذا الشأن، فيعلم بذلك أن غض البصر هو على مراتب: منه ما هو واجب؛ ومنه دون ذلك، فيشمل الأول غض البصر عما اعتاد الناس كراهية التحقق فيه، كالنظر إلى خبايا المنازل؛ بخلاف ما ليس كذلك، فقد جاء في الحديث أن عمر-رضي الله عنه- قال حين دخل مشربة النبي-صلى الله عليه وسلم-: (فرفعت بصري إلى السقف، فرأيت أهبة معلقة) . [3] وقال أيضا: (يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) . [4]
(1) سورة الحج، الآية: 36.
(2) انظرمحمد الأمين الشنقيطي، مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر، إشراف: بكر أبو زيد، ط 1، (مكة: دار عالم الفوائد، 1426 هـ) ، ص: 9 - 10.؛ و محمد بن النجار الفتوحي، مختصر التحرير في أصول الفقه، تحقيق: محمد مصطفى رمضان، ط 1، (السعودية: دار الأرقم، 1420 هـ-2000 م) ، ص: 68 - 69.؛ و أبو زيد عبيد الله الدبوسي الحنفي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، تحقيق: محيي الدين الميس، ط 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1421 هـ-2001 م) ، ص: 77. وعلي بن أحمد آل بوحمامة، مذكرة أصول الفقه المستوى الأول طالبات، العام الجامعي: 1433 هـ/1434 هـ، ص: 12.
(3) وجدت الحديث بلفظ آخر عند البغوي، الأنوار في شمائل النبي المختار، تحقيق: إبراهيم اليعقوبي، عدد الأجزاء: 2، ط 1، (دمشق: دار المكتبي، 1416 ه-1995 م) ، 1/ 322 - 333؛ باب في زهده وإعراضه عن الدنيا، حديث رقم 425.
(4) حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (2149) 2/ 246، وفي صحيح سنن الترمذي رقم (2777) 5/ 101