فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 359

ثم إن هذا الأمر بالغض من البصر، فيه أدب شرعي عظيم في مباعدة النفس عن التطلع إلى ما عسى أن يوقعها في الحرام، أو ما عسى أن يكلفها صبرا شديدا عليها. والغض: هو صرف المرء بصره عن التحديق وتثبيت النظر؛ ويكون من الحياء كما قال الشاعر:

وأغض طرفي حين تبدو جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها [1]

ويكون من مذلة كما قال آخر:

فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا [2]

كما أن مادة الغض، تفيد معنى الخفض والنقص. ثم إن الأمر بحفظ الفروج في الآية، جاء عقب الأمر بالغض من الأبصار؛ وذلك لأن النظر هو رائد الزنى؛ فلما كان ذريعة له، قصد المتذرع إليه بالحفظ، تنبيها على المبالغة في الغض من الأبصار في محاسن النساء. والمراد بحفظ الفروج، حفظها من أن تباشر غير ما أباحه الدين. واسم الإشارة إلى المذكور معناه: ذلك المذكور من الغض من الأبصار وحفظ الفروج. واسم التفضيل بقوله: (أزكى) أسلوب المفاضلة، والمراد به تقوية تلك التزكية، لأن ذلك جنة من ارتكاب ذنوب عظيمة. وفي ختام الآية ذيل بجملة: (إن الله خبير بما يصنعون) ؛ لأنه كناية عن جزاء ما يتضمنه الأمر من الغض والحفظ؛ لأن المقصد منه الامتثال. [3]

أما الآية التي تليها فقد جاء فيها النهي بالإضافة إلى الأمر بما أمر به الرجال؛ والنهي كما هو مبين في أصول الفقه: هو"القول الدال على طلب الإمتناع من الفعل على جهة الإستعلاء. وأما صيغته: فهي لا تفعل، وقد استعملت في اللغة في ستة معان منها: النهي ـ الدعاء ـ بيان العاقبة ـ اليأس ـ الإرشاد ـ التحقير. وهي حقيقة في النهي إجماعا، ومجاز في غيره، فلذلك لا تخرج عن"

(1) عنترة، انظر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، تحقيق: عبد المجيد الترحيني، عدد الأجزاء: 9، ط 1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1404 ه-1983 م) ، 6/ 3.

(2) جرير، انظر أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري، كتاب النقائض نقائض جرير والفرزدق، عدد الأجزاء: 2، ط 1، (لبنان: دار الكتب العلمية، 1419 ه-1998 م) ، 1/ 310.

(3) انظر محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 18/ 203 ـ 204."ع. س"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت