إن هذا لعمري هو المذهب الوسط؛ وهو الاتباع الحق للرسول الكريم، حيث لا إفراط ولا تفريط في اتباع منهجه؛ فالاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسنة أصلين ذكرهما السلف كثيرا؛ وذلك لأن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعية للبدعة وإعراضا عن كمال الانقياد للسنة، أخرجه عن الاعتصام بها؛ وإن رأى فيه حرصا على السنة وشدة طلب لها، لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها، فأمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حد الاقتصاد فيها؛ موحيا إليه أن في ذلك خير وطاعة، والزيادة والاجتهاد فيها أكمل؛ ومحذرا إياه من الفتور في الأمر مع أهل الفتور؛ والنوم فيه مع أهل النوم؛ وإنه لا يزال به يحثه ويحرضه حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها، فيخرجه عن الحد في الأولى والثانية. [1] كما أن هذه الوسطية هي مذهب الجمهور، حيث إننا إذا قمنا بإطلالة على المعتمد في المذاهب الأربعة في ما يتعلق بعورة المرأة، فسوف نجد ما يلي:
-المذهب الحنفي: جاء في رابع أربعة من المتون المعتمدة في الفقه الحنفي، أنه قال:"ولا ينظر إلى الحرة الأجنبية، إلا إلى الوجه والكفين، إن لم يخف الشهوة"وعن أبي حنيفة: أنه زاد القدم، لأن في ذلك ضرورة للأخذ والإعطاء؛ ومعرفة وجهها عند المعاملة مع الأجانب لإقامة معاشها ومعادها، لعدم من يقوم بأسباب معاشها. والأصل فيه قوله تعالى: {ولا يُبْدِين زِيَنَتَهُنَّ إلا ما ظَهَر منها} [2] قال عامة الصحابة: الكحل والخاتم؛ والمراد موضعها لما بينا؛ وموضعهما الوجه واليد؛ وأما القدم فروي أنه ليس بعورة مطلقًا لأنها تحتاج إلى المشي فتبدو؛ ولأن الشهوة في الوجه واليد أكثر، فلأن يحل النظر إلى القدم كان أولى. وفي رواية: القدم عورة في حق النظر دون الصلاة." [3] "
-المذهب المالكي: جاء في الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب مالك، بأن عورة الحرة مع رجل أجنبي عنها، جميع البدن ما عدا الوجه والكفين، فهما ليسا بعورة، وإن وجب
(1) انظر أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، عدد الأجزاء:3، ط 1، (بيروت: دار الكتب العلمية) ، 2/ 112.
(2) سورة النور، الآية: 31.
(3) عبد الله بن محمود الموصلي، الإختيار لتعليل المختار، تحقيق: شعيب الأرنؤوط -أحمد محمد برهوم-عبد اللطيف حرز الله، عدد الأجزاء: 4، ط 1، (دمشق: دار الرسالة العالمية، 1430 هـ-2009 م) ، 4/ 117.