هذه أخلاقه عليه السلام في الرفق بالنساء، وقد كان عليه السلام يأمر أمته بذلك ولابد من الإشارة هنا، إلى أن الطرق التي تلقينا منها الأحكام عنه -صلى الله عليه وسلم- بالجنس هي ثلاثة: لفظ، أو فعل، أو إقرار؛ فاللفظ أو القول، هو ما قاله -عليه الصلاة والسلام- في مختلف الأغراض والمناسبات كقوله السابق، والفعل هو ما فعله كأدائه للصلوات الخمس، وأدائه مناسك الحج مثلا؛ أما ما سكت عنه الشارع من الأحكام، فقد قال الجمهور بأن طريق الوقوف عليه هو القياس. لكن أهل الظاهر أنكروا القياس في الشرع وقالوا بأنه باطل؛ وما سكت عنه الشارع فلا حكم له و دليل الفعل يشهد بثبوته، وذلك أن الوقائع بين الأشخاص غير متناهية، أما النصوص والأفعال والإقرارات فهي متناهية؛ وما لا يتناهى محال أن يقابل بما يتناهى. كما أن أصناف الألفاظ التي تتلقى منها الأحكام من السمع أربعة: اتفق على ثلاثة منها وهي: لفظ عام يحمل على عمومه، أو خاص يحمل على خصوصه؛ أو لفظ عام يراد به الخصوص، وخاص يراد به العموم؛ واختلف في الأصل الرابع الذي يعرف بدليل الخطاب.
أما الفعل، فإنه عند الأكثر من الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية، غير أن هناك من قال بأنها لا تفيد حكما إذ ليس لها صيغ. واختلف الذين قالوا بتلقى الأحكام منها في نوع الحكم الذي يدل عليه، فقال قوم: تدل على الوجوب، وقال آخرون: تدل على الندب؛ والمختار عند المحققين أنها إن أتت بيانا لمجمل واجب دلت على الوجوب، وإن أتت بيانا لمجمل مندوب إليه دلت على الندب، وإن كانت من جنس المباحات فهي تدل على الإباحة. أما الإقرار فهو يدل على الجواز. كما أن الإجماع ليس أصلا مستقلا بذاته، بل هو مستند لإحدى هذه الطرق. [1]
وهكذا يتبين لنا بأن هناك شروطا وقواعد ينطلق منها العلماء في استنباطهم للأحكام؛ فليس لأي أحد أن يحرم الشيء أو يجوزه بجرة قلم وبدون علم، كما يفعله المخالفون اليوم في قضايا المرأة
(1) انظر أبو الوليد محمد بن رشد، شرح بداية المجتهد و نهاية المقتصد، شرح وتحقيق: عبد الله العبادي، عدد المجلدات:4، ط 1، (مصر: دار السلام، 1416 هـ-1995 م) ، 1/ 13 ـ 18.