فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 359

يَدعونَ مِن دونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدوًا بِغَيرِ عِلمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُم ثُمَّ إِلى رَبِّهِم مَرجِعُهُم فَيُنَبِّئُهُم بِما كانوا يَعمَلونَ، [1] وذلك سدا لذريعة سب الله تعالى؛ وكما في نهيه عليه السلام عن الانتباذ في الأوعية التي لا يعلم بتخمير النبيذ فيها سدا للذريعة، فلما قال الصحابة بأنهم لا يجدون بدا من ذلك، قال عليه السلام: (انتبذوا وكل مسكر حرام) ، [2] في إشارة واضحة إلى شراهة النفوس وعدم وقوفها عند الحد المباح في مثل هذه الأمور، رغم أن وقوع المفسدة فيها ليست بغالبة في العادة وإن كثر وقوعها، كذلك حرم عليه الصلاة والسلام الخلوة بالمرأة الأجنبية؛ وسفرها بدون محرم.

كل ذلك إن كان يدل على شيء، فإنما يدل على أن"الشريعة مبنية على الاحتياط والأخذ بالحزم؛ والتحرز مما عسى أن يكون طريقا إلى مفسدة. فإذا كان هذا معلوما على الجملة والتفصيل، فليس العمل عليه ببدع في الشريعة، بل هو أصل من أصولها، راجع إلى ما هو مكمل إما لضروري أو حاجي أو تحسيني". [3]

لكن يجب التنبيه هنا، على أنه لا ينبغي التوسع في هذه القاعدة؛ وإلا أدى ذلك إلى حرج ومشقة يتنافى مع سماحة الشريعة ويسرها. كما أن القول بأن الشريعة مبنية على الحزم والاحتياط ليس على إطلاقه، بل ذلك يكون في المنصوص عليه فقط، أما غير المنصوص عليه، فهو لين قابل للتشكل والتكيف حسب الوقائع والظروف والملابسات؛ لذلك يعمل فيه بالاجتهاد من طرف الفقهاء الملمين بالواقع ومستجدات العصر؛ وهذه هي الوسطية في المنهج. ومع ذلك فقد يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: ألا يعتبر ما نراه اليوم من اكتظاظ الشوارع يوميا بالنساء

(1) سورة الأنعام، الآية: 108.

(2) انظر محمد بن محمد الشوكاني، نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار، تحقيق: طارق بن عوض الله، عدد المجلدات: 12، ط 1، (الرياض-القاهرة: دار ابن القيم-دار ابن عفان، 1426 هـ-2005 م) ، كتاب الأشربة، باب الأوعية المنهي عن الإنتباذ فيها ونسخ تحريم ذلك، 10/ 342 - 345.

(3) انظر الشاطبي، الموافقات،"ع. س"، 2/ 348 ـ 364

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت