وإن العاقل ليتضح له جليا، التغيير الذي يراد للمرأة المسلمة من خلال هذه المؤتمرات، حيث إنهم لا يتحرجون فيها من إعطاء الحق لأنفسهم في التشريع للناس؛ وإلزامهم بقوانين كافرة ما أنزل الله بها من سلطان؛ ولكن اللوم الأول يقع على عاتق المسلمين الذين تركوا دينهم؛ وجعلوا بين صلاتهم وصيامهم؛ وحجهم وزكاتهم إن وجدت؛ وإنصاتهم للقرآن في دكاكينهم يتلى صباحا للتبرك به فقط، جعلوا بين ذلك كله وبين معاملاتهم هوة سحيقة وشرخا عظيما، بل وحاجزا كالطود العظيم يقف المتمعن أمامه حائرا، فظلمت بذلك عندهم المرأة أولا؛ وعطلت المهمة التي أنيطت بها ثانيا، فانهار المجتمع بانهيار أحد نوعيه؛ وذلك لأن النوع الرجولي لن يستطيع القيام بالمهمة العظيمة لوحده، لأن الخطاب موجه للإنسان بنوعيه: الرجل والمرأة معا؛ وها هي تظلم بطرق أخرى عند من يعلنون الحرب عليها، بجعلها مبتذلة رخيصة تنحصر اهتماماتها في شكلها الخارجي فقط، لإرضاء شهواتها وشهوات الآخرين الذين ينظرون إليها ويتكسبون من خلالها.
إنها إذن، بين مفترسين لن تنجو منهما إلا بالعلم؛ وبالعلم فقط؛ وهذا هو التغيير الإيجابي الذي أراده الإسلام للمرأة؛ وسعى الأنبياء والرسل ومن سار على طريقهم جاهدين من أجله. وفي هذا الإطار، فقد سبق أن ذكرنا بأن الإنسان خاضع للتغيير ومحدث له في نفس الوقت، فهو يتأثر ليؤثر؛ ولذلك وجب القول بأن كل هذه المؤتمرات، إنما هي استكمال لما بدأ من تأثيرات حملات الماضي الوافدة علينا من الغرب؛ لذلك وجب إلقاء نظرة عامة على هذا الموضوع، لمعرفة التأثيرات التي تعرضت لها المرأة وجعلتها تعكس ذلك على مجتمعها سلبا أو إيجابا.
المؤثرات التي تعرضت لها المرأة ومن خلالها المجتمع الإسلامي؛ والتي ستأثر على مشاركتها في التغيير وتقرير المصير:
إن هذه المرأة التي خاطبها النص القرآني بخطاب راق متميز، فيه من الأحكام التكليفية من أوامر ونواه [1] ما يرتفع بها إلى مكانة سامية من العز والمجد، لم تبلغها غيرها من النساء في جميع
(1) محمد الأمين الشنقيطي، مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر، ص 7."ع. س"