تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 106
سحر آخر الليل وهو لكونه وقت عموم الغفلة أقرب إلى القبول والإجابة قبل المعاملة مع اللّه اما بمنع النفس من الرذائل وحبسها على الفضائل وهو الصبر أو بعمل اللسان وهو الصدق أو الجوارح وهو الصلاة والصوم والحج أو تفريق المال في سبيل الخير واما بطلب وهو الاستغفار وتوسيط الواو للدلالة على الاستقلال لكل واحد من هذه الأمور ثم أشار إلى انه كيف لا يرضى عن هؤلاء وقد شهدوا توحيده إذ
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) أي دل دلالة قطعية على انه لا موجود حقيقى سوى ذاته فوجودات الأشياء ظلال وجوده وصفات كمالها ظلال صفاته وأفعالها آثار ارادته وقدرته (وَ) ان لم يصلوا إليه وصلوا إلى توحيد الملائكة وأولى العلم إذ شهدت (الْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) إذ رأوا ذلك حال اعتدالهم لأنه شهد اللّه بذلك (قائِمًا بِالْقِسْطِ) من غير ميل ولا يرون في ذلك ظهور الالهية فيهم إذ (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) كيف ولم يظهر في شيء على ما هو عليه في نفسه لأنه (الْعَزِيزُ) بل بحسب استعداد المحل لأنه (الْحَكِيمُ) وإذا لم يكن من حصل له التجلى الشهودى الهاتعين ان يقال
(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ) تجلى (اللَّهِ الْإِسْلامُ) الذي هو الانقياد للّه بإقرار ربوبيته وعبودية ما سواه فبطل بذلك الهية عيسى وابنيته وابنية العزير ولو قيل لو شهد أهل العلم بالتوحيد لم يقل أهل الكتاب بالهية عيسى ولا بثالث ثلاثة أجيب بأنهم لم يتفقوا عليه فلم يكن ذلك مقتضى علمهم لكنهم اختلفوا إلى قائل بثالث ثلاثة وقائل بالحلول وقائل بالاتحاد وقائل بالرسالة (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) في عيسى (إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ) من الكتاب ومن دلائل العقل بأن الدين هو التوحيد ولم يكن اختلافهم لشبهة يعتد بها عندهم بل (بَغْيًا) حصل من مجادلة وقعت (بَيْنَهُمْ) فافضت إلى الكفر بآيات اللّه الدالة على التوحيد (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ) بشبهات قابلها اللّه بتلك الآيات الدالة فحاسبها هل ترجح عليها أم ترجح الآيات وهو وان طال على الخلق لا يطول على اللّه (فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) وقد اثبت بآية لا يقابلها شبهة أصلا
(فَإِنْ حَاجُّوكَ) بعد إقامة تلك الآيات (فَقُلْ) لم يبق بينى وبينكم مجادلة لانى (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) أي انقدت لآياته المنزلة على وعليكم (وَمَنِ اتَّبَعَنِ) وإن لم يتبع أهل ملتكم ما اتبعه أنبياؤكم فقد اتبع أهل ملتى آياتى وآيات أنبيائكم فليس فينا من يتبع مجادلتكم الباطلة (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ) عند تساوى آياتك في الظهور للفريقين (أَأَسْلَمْتُمْ) لآياتى التي هي أجل من آيات أنبيائكم (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا) هدى لا يعترضه شبهة من شبهاتهم لاتفاق آياتى وآياتهم على تصحيحه (وَإِنْ تَوَلَّوْا) عن هداك وأصروا على القول بالهية عيسى أو بكونه ثالث ثلاثة (فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ) أي تبليغ دلائل الإسلام ورفع الشبهة عنه لا الاكراه عليه إذا عاندوك (وَ) هم وان عموا في عنادهم لم يعموا البصرائهم ولو تم تلبيسهم على البعض العماة لم يتم على اللّه إذ (اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) ثم أشار إلى انه كما أمر بتبليغ الدلائل أمر بتبليغ ما يترتب على إنكارها لا سيما إذا أنكرها بغيا سيما إذا أفضى البغى إلى قتل الانبياء فقال
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ)