تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 107
التي يعلمون انه لا يقدر عليها الا اللّه (وَ) لا يقتصرون على الكفر بها بل مع ذلك (يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) الذين ظهرت على أيديهم وقد آمنوا بمن ظهرت على أيديهم امثالها فهم يقتلونهم مع علمهم انهم يقتلونهم (بِغَيْرِ حَقٍّ) إذ لم يدعوا بها محالا ولم يظهر منهم خباثة نفس تدل على انه سحر مع خروجه عن مقدرة البشر (وَ) ان زعموا انهم انما قتلوهم لكذبهم في دعوى النبوّة فما لهم (يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ) على انهم (مِنَ) جملة عوام (النَّاسِ) فعلم ان بغيهم انما هو على القسط الذي أنزله اللّه فبغيهم عليه بغيهم على اللّه (فَبَشِّرْهُمْ) بما تبشر به الكافرين باللّه وبجميع أنبيائه (بِعَذابٍ أَلِيمٍ) وإن زعموا انهم ليسوا مثلهم لتمسكهم بدين عيسى أو موسى وقيامهم بأعماله فقل
(أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا) فلا يحقن بها دماؤهم ولا أولادهم ولا أموالهم وان حقن بها من المنافق والمرائى (وَالْآخِرَةِ) فلا يخفف بها عنهم العذاب فضلا عن النجاة (وَ) ان زعموا ان من تمسك بدينه يشفع لهم أو يحتج لهم فقل (ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) ثم أشار إلى انه كيف لا يحبط أعمالهم وهم لا يقتصرون على الكفر بكتابك بل يكفرون بكتابهم إذ لا يرون اعتقاداتهم به ولا وجوب العمل باحكامه فقال
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ) أي يدعوهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى التوراة (لِيَحْكُمَ) بما يقطع النزاع (بَيْنَهُمْ) في ان ابراهيم هل كان يهوديا أم لا وهل عندهم الرجم أم لا فيقرون بأنه كتاب اللّه النازل لقطع النزاع (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ) لا يقتصرون على التولى في محل النزاع بل (هُمْ مُعْرِضُونَ) أي مستمرون عليه اتخذوه عادة
(ذلِكَ) الاستمرار على الاعراض لتسأهلهم بأمر الدين وتهاونهم به (بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ) قلائل والاهتمام بأمر الإيمان والعمل انما يكون باعتقاد دوامه أو طول مدّته (وَ) ليس ذلك لنص وجدوه في كتابهم بل (غَرَّهُمْ) فأوقع الخلل (فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) من ان اللّه وعد يعقوب ان لا يعذب أولاده الا تحلة القسم وإذا اغتروا بهذا المفترى في الدنيا
(فَكَيْفَ) يصنعون لفضيحتهم عليه (إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) لنفضحهم في الأوّلين والآخرين (وَ) لا يقتصر على تلك الفضيحة بل (وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ) جزاء (ما كَسَبَتْ وَهُمْ) وإن تمسكوا بهذا المفترى (لا يُظْلَمُونَ) في توفية الجزاء لظهور كونه مفترى إذ يرفع الاهتمام بأمر الشرائع بالكلية ويوجب التهاون بها ثم أشار إلى انهم انما لا ينقادون لحكم اللّه في كتابه الذي يعترفون بصدقه لدلالته على انتقال الملك والنبوّة منهم اليك وهم يريدون ان تتذلل لهم
(قُلِ) لا أخاطبكم في ذلك فضلا عن التذلل بل أقول (اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ) أي المتصرف في الملك الظاهر والباطن وهو النبوّة لا تصرف في اعطائهما وسلبهما لغيرك بل (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ) ولو من الاميين (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ) ولو من أهل الكتاب ولا يبعد منك ذلك لأن ايتاء الملك اعزاز ونزعه إذلال (وَ) أنت (تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ) لكنك لا تفعل ذلك على سبيل التحكم إذ (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) الذي هو الحكمة فلا تفعل خلاف مقتضاها وان لم يجب عليك بل (إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ولا يبعد منك قلب