تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 114
منا ومنكم أعزة أهله وألصقهم بقلبه ممن يخاطر الرجل بنفسه لهم ويحارب دونهم ويدع نفسه أيضا (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أي نتضرع إلى اللّه تعالى في دعاء اللعنة (فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) منا ومنكم ليهلكهم اللّه وينجى الصادقين فلا يبقى العناد الباقى عليكم بعد اتفاق الدلائل لعقلية والنقلية روى أنه عليه السّلام قرأ الآية على وقد نجران ودعاهم إلى المبأهلة فقالوا حتى ننظر فخلوا فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم ما ترى فقال لقد عرفتم نبوّته ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم واللّه ما بأهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ونبت صغيرهم فإن أبيتم الا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة خلفه وعلى خلفها وهو يقول لهم إذا أنا دعوت فأمنوا فقال لهم أسقفهم يا معشر النصارى انى لأرى وجوها لو سألوا اللّه عز وجل أن يزيل جبلا من مكانه لازاله فلا تبأهلوا فتهلكوا
(إِنَّ هذا) أي خلق عيسى بأمر اللّه لا بمجامعته مريم (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَ) كيف يجامعها ولا جزء له ينفصل بمجامعته إذ (ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) فكما لا يتعدد افراده لا يتعدد أجزاؤه والالوجب اتصاف كل جزء منه بالكمالات الموجبة لالهية ذلك الجزء (وَ) لو كان له جزء لم يتذلل بمجامعة امرأة أرضية لأنه (إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) ولو اشتهى ذلك لمنعته حكمته لأنه (الْحَكِيمُ) فحكمته تحفظ عليه عزته
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي أعرضوا عن القول بعبودية عيسى عليه السّلام فهم مفسدون اعتقادهم واعتقاد غيرهم في اللّه فلا يفوتونه (فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) يجازيهم بمقدار افسادهم
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ) المطلعين على الاعتقادات الصائبة لا وجه لاعراضكم عن دعوتى إلى القول بعبودية عيسى (تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ) أي قول معتدل لا يميل إلى التعطيل ولا إلى الشرك متفق عليها (بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) وهي (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ) أي لا نرى غيره مستحقا للعبادة فنعبده (وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) في كمال صفاته الذي به الهيته (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا) أي آلهة صغارا مع علمنا بكونهم في الكمال (مِنْ دُونِ اللَّهِ) والالهية انما هي بغاية الكمال (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن هذه الكلمة السواء المتفق عليها (فَقُولُوا) خرجتم عن دين اللّه الذي هو الإسلام ولكن (اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) لتكون شهادتكم سبب نجاتنا وهلاككم ولما قالوا لا نخالفك في هذه الكلمة ولكنك تزعم إنك على ملة ابراهيم وتخالف اليهود والنصارى وكان ابراهيم يهوديا أو نصرانيا فقال لهم عز وجل
(يا أَهْلَ الْكِتابِ) الذين حقهم أن لا ينطقوا بما لا علم لهم (لِمَ تُحَاجُّونَ) أي مجادلون (فِي إِبْراهِيمَ) انه كان في أحد الفريقين ولا شك ان اليهودية بعد إنزال التوراة والنصرانية بعد إنزال الانجيل (وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ) التوراة بعده بألف سنة والانجيل بعده بألفى سنة (أَ) تجعلونه على شريعة كانت بعده بهذه المدة (فَلا تَعْقِلُونَ* ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ) أي تنبهوا أيها المشار إليهم بالاشارة القريبة لدناءة عقولهم (حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) من أمر محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذ له ذكر في كتابكم فأمكنكم تغييره لفظا أو معنى (فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) من امر ابراهيم إذ لا ذكر له في كتابكم فلا يمكنكم فيه التغيير (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) فيبينه