تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 116
حصرتم هدى اللّه فيها الا هداه لكنكم تكتمون انه هدى اللّه بعد مجيئه كما ان التوراة هداه قبل مجيئه كراهة (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ) من هدى اللّه (مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ) فضلا عن الفاضل في التقريب من اللّه وافادة الثواب (أَوْ) كراهة اظهار أن (يُحاجُّوكُمْ) أي يغلبوكم بالحجة (عِنْدَ رَبِّكُمْ) فانكم تكرهون ظهور ذلك لما فيه من ذهاب رياستكم ورشاكم (قُلْ إِنَّ) الاخفاء انما يمنع الايتاء لو كان الفضل بيدكم لكن (الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) ولا يمكنكم منعه فانه مع منعكم اياه (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) كيف (وَ) منعكم تضييق عليه ولا يمكن إذ (اللَّهُ واسِعٌ) وإن أمكنكم التضييق فهو (عَلِيمٌ) بدفعه عن نفسه فيزيده اخفاؤكم ثم ان اخفاءكم فضل المؤمنين انما يتأتى لو ساووكم في الفضل أو نقصوا لكن اللّه
(يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ) فيزيده فضلا عليكم كيف (وَ) فضله ليس منحصرا فيما أعطاكم إذ (اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ثم أشار إلى أنه لا يبعد منهم التلبيس وقد ظهرت فيهم الخيانة في أقل شيء ويبعد من مؤمنهم وقد ظهرت فيهم الامانة في شيء عظيم فقال
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) عبد اللّه بن سلام أودعه رجل من قريش ألفا ومائتى أوقية من الذهب فاداه إليه فهو (مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ) مال منضد بعضه على بعض (يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) وإن لم تطالبه فيبعد منه التلبيس لأن أمانته مع الخلق تدل على امانته مع اللّه فلا يفترى عليه انه ما ذكر في كتابه نعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (وَمِنْهُمْ مَنْ) فنحاص بن عازوراء استودعه قرشى دينارا فلم يؤده إليه فهو (إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) لكونه في غاية الخيانة بحيث يخون في غير شيء (إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ) أي على رأسه (قائِمًا) بالمطالبة والترافع وإقامة البينة فلا يبعد منه الخيانة مع اللّه بكتمان ما أمر باظهاره طمعا في ابقاء الرياسة والرشا عليه (ذلِكَ) أي الدليل على خيانتهم مع اللّه انهم يعتذرون عن الخيانة مع الخلق إذا ظهرت بالافتراء على اللّه لأن اعتذارهم (بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي) مال (الْأُمِّيِّينَ) الذين ليسوا من أهل الكتاب (سَبِيلٌ) إلى ذم وعقاب فهم يخونون مع الخلق (وَيَقُولُونَ) في الاعتذار عنه (عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) فيخونونه ايضا (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنه كذب محض ليس لهم فيه نص قطعى ولا ظنى مبينا ولا دلالة
(بَلى) النص الالهى أن (مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ) أو في اللّه عهده ومن نقض عهده نقض اللّه عهده واداء الامانة من وفاء العهد بل من التقوى (وَ) قد نص على ان من (اتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) فلو لم يكن عليهم سبيل لكان حقهم ان يستأثروا محبة اللّه على كل شيء ثم أشار إلى أنهم متى يبالون بعهد الناس ولم يبالوا بعهد اللّه إذ يستبدلونه وكيف يتقون اللّه في أمانات الخلق ولم يتقوه في أمانته وهي وجوب تعظيمه إذ يهتكونه بالأيمان الكاذبة فقال
(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) أي يأخذون بدله بتغييره (وَأَيْمانِهِمْ) أي وبأيمانهم الكاذبة يبدلونها فيأخذون (ثَمَنًا قَلِيلًا) أي شيأ حقيرا من الدنيا الحقيرة التي لا نسبة لجمعها إلى أدنى ما فوّتوه (أُولئِكَ لا خَلاقَ) أي لا نصيب ثواب (لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) بما يرضيهم (وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) نظر الرضا (وَلا يُزَكِّيهِمْ) عما يوجب العقاب (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) بالنار والتوبيخ ونظر الغضب والهيآت الظلمانية وذلك لأنهم انما أخذوه بعدم رؤيتهم في ايفاء