تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 118
شهادتكم سوى المبالغة إذ (أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) وإذا بالغ اللّه تعالى هذه المبالغة في أخذ الانبياء ميثاق أقوامهم على هذا النهج البليغ
(فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ) أي أعرض عن هذا العهد فلم يؤمن بالرسول المذكور ولم ينصره (فَأُولئِكَ) وإن كانوا من أهل الكتاب (هُمُ الْفاسِقُونَ) أي الخارجون عن دائرة أهله بالحقيقة فلا عبرة بشهادتهم ولا باخبارهم فإن قالوا هذا الرسول ليس مصدقا لهم لأنهم دعوا إلى ربوبية أنفسهم قيل لهم
(أَ) يطلب الانبياء من الناس اتخاذهم أربابا وهذا دين المشركين (فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ) الذي هو التوحيد (يَبْغُونَ) أي يطلبون لاتباعهم (وَ) ليس هذا مقتضى كمالهم في التجلى الشهودى إذ (لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ) من أهل الفناء والبقاء (وَالْأَرْضِ) من عوام المؤمنين والكفار (طَوْعًا) ان كان من أهل البقاء أو مؤمنا (وَكَرْهًا) ان كان من أهل الفناء او كافرا فلا يدعى الالهية إلا له لا لنفسه وكيف (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) في التوحيد فلا مساغ لغيره في دعوى الالهية أصلا ولو قالوا أنتم تطلبون بترك اليهودية والنصرانية غير دين اللّه
(قُلْ) لهم (آمَنَّا بِاللَّهِ) ويهود هذا الزمان ونصاراه أشركوا به (وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ) ان كان فيه ما ينسخ بعض أحكام التوراة والانجيل فهو موافق (ما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ) فلو اخل نسخنا للتوراة والانجيل لأخل نسخكم لما أنزل على هؤلاء (وَ) مع ذلك أيضا صدّقنا (ما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ) وإن اختلفت شرائعهم لكونها (مِنْ رَبِّهِمْ) أي الذي ربى كلا بما هو مصلحته وهم وان تفاوتت شرائعهم كمالا ونقصا (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) بالإيمان بالبعض والكفر بالبعض لأن التفاوت فيها بتفاوت استعدادات الأمم (وَ) لا نجعل بعضهم أربابا وبعضهم عبيدا بل (نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) فهذا هو الإسلام الذي هو الانقياد لربوبية اللّه وأوامره في كل عصر
(وَمَنْ يَبْتَغِ) أي يطلب (غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا) فاتخذ البعض أربابا وصدق البعض دون البعض وآمن بالمنسوخ دون الناسخ (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) إذ لم ينقد لامر اللّه في عصره وان انقاد لما أمر به من قبله (وَ) لا يحصل ثواب من عمل بالدين المنسوخ قبل نسخه بل (هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) للأجر على الناسخ والمنسوخ جميعا وكذا أجر ما صح من الاعتقادات والأعمال والأخلاق لأن الكفر محيط للكل وكيف لا يكونون خاسرين في الآخرة وقد خسروا وجوه الهداية في الدنيا إذ
(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا) بالرسول بعد مجيئه (بَعْدَ إِيمانِهِمْ) به قبل مجيئه إذ رأوه في كتبهم (وَ) ليس هذا الكفر مجرد نقضهم الميثاق بالإيمان بكل رسول يأتيهم مصدقا لما معهم بل مع ذلك (شَهِدُوا أَنَّ) هذا (الرَّسُولَ حَقٌّ وَ) هو وان لم يعين زمانه ومكانه وقبيلته وسائر مشخصاته يكفيهم انه (جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) التي آمنوا لمثلها ولما دونها بموسى وعيسى عليهما السّلام فظلموا بحقه الثابت ببيناته وتصديقه الكتب السماوية (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فلا يجازيهم جزاء أهل الهداية وان اهتدوا بالإيمان ببعض ما في كتبهم بل
(أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ) جزاء الظالمين بالكفر الكلى