فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 130

أنهم لو أتبعهم المقتولون فلم يخرجوا من ديارهم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقتلوا (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) وتبعكم المقتولون فلم يخرجوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يثبتوا في ديارهم بل (لَبَرَزَ) أي خرج (الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ) في مكان كذا ووقت كذا فانه يوقع في قلوبهم الخروج (إِلى مَضاجِعِهِمْ) أي مكان قتلهم في زمانه إذ لا يقع خلاف المقدر المحتوم والحكمة تفتضى هذا التقدير ليصيروا شهداء فيتطهروا (وَلِيَبْتَلِيَ) أي يمتحن (اللَّهُ) أي يفعل فعل الممتحن ليستخرج (ما فِي صُدُورِكُمْ) من الإخلاص والنفاق ليجعله حجة عليكم (وَلِيُمَحِّصَ) أي وليظهر للخلق (ما فِي قُلُوبِكُمْ) التي تنقلب من الإيمان إلى النفاق (وَ) لا يبعد على اللّه إذ (اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) أي الضمائر الملازمة لها ثم أشار إلى أن الانهزام الذي كان في الوسط لم يكن من اللّه تعالى ابتداء على خلاف ما وعد من النصر بل من الشيطان فقال

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا) أي انهزموا (مِنْكُمْ) مع علمهم بأن الانهزام (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) أي جمع المسلمين وجمع المشركين من الكبائر (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ) أي حملهم على الزلة بمكر منه مع وعد اللّه النصر (بِبَعْضِ ما كَسَبُوا) أي بشؤم بعض اكتسابهم كترك المركز والميل إلى الغنيمة مع النهى عنه فمنعوا التاييد وقوّة القلب (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) لندمهم وإخلاص توبتهم في الآخرة كما عفا عنهم في الدنيا إذ لم يستأصلهم (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) لا يعاجل بعقوبة المذنب ليتوب فيغفر له ثم أشار إلى أن استزلال شياطين الانس كاستزلال شياطين الجنّ فقال

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الإيمان ينافى الشيطنة لذلك (لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا) فلحقوا بالشياطين (وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ) استزلالا لهم عن أمر المعاش والمعاد (إِذا ضَرَبُوا) أي سافروا (فِي الْأَرْضِ) للتجارة فأصيبوا بغرق أو قتل (أَوْ كانُوا غُزًّى) فأصيبوا باصطدام أو قتل (لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا) ولا يفيدهم فانما يقولونه (لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ) القول (حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) أي القائلين والسفر والغز وليسا من أسباب الموت بل يوجد بعض أسبابه هناك كما يوجد البعض الآخر في دار الإقامة والكل عند اللّه على أنه لا أثر للأسباب (وَ) انما (اللَّهُ) هو الذي (يُحْيِي وَيُمِيتُ) بالحقيقة (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ) أيها المؤمنون في زعمهم من مشابهتهم في هذا القول (بَصِيرٌ) إذ تنسبون الفعل إلى الأسباب حقيقة ثم أشار إلى أن الموت في سبيل اللّه ليس مما يوجب الحسرة بل مما يوجب الفرح

(وَ) ذلك لانكم (لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ) من غير قتال بعد الخروج له (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ) لذنوبكم التي لو لم تغفر عظمت عليكم حسرة (وَرَحْمَةٌ) لو فاتتكم عظمت حسرة أيضا (خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) إذ لا تندفع تلك الحسرة بأموال الدنيا كلها بل ترك الجهاد هو الموجب للحسرة

(وَ) ذلك لانكم (لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ) لا في سبيله (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) فترون من غضبه عليكم مع رضاه عمن قتل أو مات في سبيله ما يوجب عليكم أعظم وجوه الحسرة وقدم القتل أوّلا لأنه أعظم للاجر وأخره ثانيا لأنه أمر عارض والموت حتف الانف لا بد منه وكيف ينكر الحشر إلى اللّه لمن مات أو قتل وقد حشر من جاهد في سبيله من غير موت ولا قتل وكيف لا يغفر للميت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت