فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 169
اذا نظرتم إليه جعلها صلاحا لكم (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى) ارادة (أَنْ تَعْدِلُوا) عن أمر اللّه الذي هو مصلح أموركم وأمور المشهود عليهم لو نظرتم ونظروا إليه (وَإِنْ تَلْوُوا) أي تحرفوا السنتكم عن الشهادة على وجهها (أَوْ تُعْرِضُوا) عنها بكتمها (فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) فلا يبعد أن يوقع بكم المكروه ويبطل عليكم المطلوب مع ما يجاز بكم عليه في الآخرة ثم أشار إلى أن إقامة العدل والشهادة للّه تكميل للإيمان باللّه والرسول والكتاب فقال
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مقتضى إيمانكم ترجيح جانب من آمنتم به والتعظيم لرسوله والعمل بمقتضى كتابه (آمِنُوا بِاللَّهِ) أي كملوا إيمانكم به بإقامة العدل الذي فيه ترجيح جانبه (وَرَسُولِهِ) الذي بعثه بإقامة العدل (وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ) لتقرير قواعد العدل واحدة بعد أخرى (عَلى رَسُولِهِ) لتأسيسها على أكمل الوجوه وأحسنها (وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) لتقرير قواعد عدل زمانه فكماله انما يكون برعاية مصالح كل زمان ثم أشار إلى أن ترك العدل والشهادة للّه يشبه الكفر بجميع ما يجب الإيمان به فيشبه الضلال البعيد فقال (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ) الآمر بالعدل (وَمَلائِكَتِهِ) الآتية به من عند اللّه (وَكُتُبِهِ) الموضوعة لتقرير قواعده (وَرُسُلِهِ) المبينين لها (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الموضوع للجزاء على اقامته وتركه (فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا) أما الكفر باللّه فظاهر وأما بالملائكة فلأنهم المقربون إليه وأما بالكتب فلأنها الهادية إليه وأما بالرسل فلأنهم الداعون إليه وأما باليوم الآخر فلأن فيه نفع اقامته وضرر تركه فإذا أنكر لزم إنكار النفع الحقيقى والضرر الحقيقى فهو الضلال البعيد ثم الكفر بالملائكة كفر بمظاهر باطنه وبالكتب كفر بمظاهر صفة كلامه وبالرسل كفر بأتم مظاهره وباليوم الآخر كفر بدوام ربوبيته وعدله ثم الكفر بالملائكة يدعو إلى الإيمان بالشياطين وبكتب اللّه إلى الإيمان بكتب الكفرة وبالرسل إلى تقليد الآباء وباليوم الآخر إلى الاجتراء على القبائح وكل ذلك ضلال بعيد ثم أشار إلى أن الكفر لما كان ضلالا بعيدا لم يفد الإيمان السابق عليه ولو مكررا لا هداية ولا مغفرة فقال
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بموسى (ثُمَّ كَفَرُوا) بعبادة العجل (ثُمَّ آمَنُوا) عند عوده (ثُمَّ كَفَرُوا) بعيسى (ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا) بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) فيفيدهم أدنى فوائد الإيمان لإيمانهم السابق ولو مكررا (وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) إلى التحقيق ولا ينفع وان بقوا على الإيمان بموسى إذ الكفر اللاحق ناسخ للإيمان السابق ولا ينفع تكراره سيما إذا عورض بمزيد الكفر وكيف ينفع السابق ولا ينفع المقارن سيما في حق المنافقين
(بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا) ويدل على مقارنة إيمانهم للكفر ترجيحهم جانب الكفرة في المحبة إذ هم
(الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) أي مجاوزين موالاة المؤمنين فإن زعموا انهم انما يوالونهم تقية من إذلالهم يقال لهم (أَيَبْتَغُونَ) أي يطلبون (عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) مع انها ليست عندهم (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) وهم أعداؤه فلا يعطيهم منها شيأ فلو كانت لهم وجب على المؤمنين الصبر على الذلة بمقتضى الإيمان كيف
(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ) الذي تدّعون الإيمان به (أَنْ) أي أنّ الشأن (إِذا سَمِعْتُمْ)