فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 216

الذي لا يعرف وقوعها بدونه وان حسنها العقل ودل على صدق الرسول ولعدم استعمالهم اياه في حقه عليه السّلام الموجب لتحقق الآخرة مع وجوده عندهم كان يحزنه عليه السّلام ذلك فقال عز وجل

(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ) أي الشأن (لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) فيك من أنك كاذب أو ساحر أو شاعر أو مجنون وكان ينبغى ان لا يحزنك تكذيبهم (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) فيما تخبر عن أمور الدنيا لعلمهم بصدقك مع إنك لم تعط المعجزات الا ليصدقوك فيها (وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ) بتكذيبك فيما أعطيت المعجزات ليصدقوك فيه (بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) فلا بدان نزيل حزنك بإهلاكهم لهذا الظلم العظيم في حق آياته وليس امهالهم لاهمالهم بل لجريان سنته عز وجل بتحقيق صبر الرسل وشكرهم

(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا) بأنواع اخر لم يزل صبرهم (حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا) فشكروا فاعطوا مع اجر الرسالة أجر الصبر والشكر وكلما طال الصبر كثر الاجر وعظم الشكر وعظم وزر العدوّ واشتدّ عقابه (وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ) من نصر الرسل واعطائهم أجر تبليغ الرسالة والصبر والشكر وقهر الظلمة والمستهزئين (وَلَقَدْ جاءَكَ) جميع ذلك (مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) لتعلم انه من سنة اللّه التي لا تتبدل فحزنك كالمنافى له

(وَإِنْ كانَ) الشأن (كَبُرَ) أي ثقل (عَلَيْكَ) لمزيد شفقتك (إِعْراضُهُمْ) فلا ينبغى ان يكبر عليك مع مبالغتك في تبليغ الرسالة واظهار المعجزات وإقامة الحجج ورفع الشبه وان لم يبلغ إلى حد الالجاء المانع من التكليف إذ لا يفيد معه الإيمان وهم انما يعرضون لعدم ما يلجئهم إلى الإيمان (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا) أي سربا (فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ) من تحت الأرض أو من فوق السماء (بِآيَةٍ) ليست مما بين السماء والأرض فأت بها لكن لم يجعل اللّه لك هذه الاستطاعة إذ يصير الإيمان ضروريا غير نافع فإن نفع كان موجبا لاجتماع الناس على الهدى (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) لكنه شاء بمقتضى جلاله وجماله اظهار غاية قهره وغاية لطفه (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ) بما تقتضيه الصفات الالهية بل بما يقتضيه عموم المملكة ثم انه لا وجه لأن يكبر عليك اعراضهم لأن غايتك إنك داع والداعى

(إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) وانما يسمع الاحياء وهؤلاء وان كانوا أحياء بالحياة الحيوانية أموات بالنسبة إلى الإنسانية لموت قلوبهم بسموم الاعتقادات الفاسدة والأخلاق الرديئة (وَالْمَوْتى) انما يسمعون حين (يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ) باحياء قلوبهم بموت الاعتقادات الفاسدة والأخلاق الرديئة ولا يتصوّر الا بالموت الطبيعى الذي لا يكون بعده عود إلى التكليف الذي فيه الإجابة بل يبقون بعده مدة في البرزخ (ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) بعد ما كانوا عنه معرضين فيستجيبون حين لا تنفعهم الاستجابة

(وَ) يدل على موت قلوبهم أنهم (قالُوا) للآيات التي لا يمكن معارضتها انها ليست من اللّه إذ لا الجاء فيها (لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ) ملجئة ليعلم انها (مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ) لا ينزل الآية الملجئة لأن المقصود من إنزالها طلب الإيمان النافع ولا ينفع معها وليس ذلك من عجزه بل مع انه (قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً) تلجئهم ولكن لا ينزل ما يخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت