فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 238
تقتضى ترجيح جانب اللّه لالهيته وعدم صلاحيتهم للالهية مع الحاجة
(وَ) لكن زين لهم ذلك القبيح (كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) مع وفور عقلهم في الأمور الدنيوية ما هو أشد قبحا منه في باب القربان (قَتْلَ أَوْلادِهِمْ) للاصنام (شُرَكاؤُهُمْ) من الشياطين مكرا بهم (لِيُرْدُوهُمْ) أي يهلكوهم بالشرك وقتل الولد (وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) بدين ابراهيم في ذبح اسمعيل عليهما السّلام (وَ) لا ينبغى ان تحزن على هلاكهم لأنه بمشيئة اللّه (لَوْ شاءَ اللَّهُ) عدم إهلاكهم (ما فَعَلُوهُ) مع ظهور قبحه وكونه افتراء على اللّه في جعله من دين ابراهيم (فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ) بعد بيان ذلك لهم
(وَ) مما ظهر فيه افتراؤهم ما ناقضوا فيه إذ (قالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ) أي وقف والوقف مما يترك أصله ويؤخذ نفعه وهم يقولون (لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ) فيجيزون اكل الموقوف ويدخلونه تحت تصرفهم بعد إخراجهم اياه عنه بالوقف (وَ) قالوا ما هو اقبح منه إذ لا معنى له والتناقض انما يقبح بالنظر إلى اجتماع النقيضين لا بالنظر إلى ذات كل واحد منهما وهو هذه (أَنْعامٌ) أي البحيرة والوصيلة والسائبة والحامى محررة (حُرِّمَتْ ظُهُورُها) أي ركوبها مع ان التحرير هو رفع الحجر عن التصرف وذلك مختص بالإنسان فلا وجه لإخراج غيره عن الملك (وَ) قالوا ما هو أشد من ذلك وهو هذه (أَنْعامٌ) نتقرب بها إلى الاصنام ليقربونا إلى اللّه ومع ارادة هذا التقرب إليه (لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) عند ذبحها لئلا يشاركها اللّه فيها ويزعمون انه أمرهم بذلك (افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ) على اللّه باسوا الوجوه ثم أشار إلى افتراء آخر فيه صريح التحكم فقال
(وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ) الثلاثة من الاجنة ان خرجت حية فهي (خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا) أي اناثنا وان اعطاهن ذكورنا (وَإِنْ يَكُنْ) ما في بطونها (مَيْتَةً فَهُمْ) أي الذكور والازواج (فِيهِ) أي في حلها (شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) بالتحليل والتحريم على سبيل التحكم ونسبته إلى اللّه تعالى (إِنَّهُ حَكِيمٌ) لا يتحكم (عَلِيمٌ) بما في التحليل والتحريم استقلالا من دعوى الالهية وافتراء على اللّه من الظلم العظيم وكيف لا تكون هذه الافتراآت تزينا من الشرفاء بطريق المكر مع ظهور قبحها إذ
(قَدْ خَسِرَ) الدارين (الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ) أما الدنيا فلانهم قتلوهم (سَفَهًا) إذ أتلفوهم بلا نفع حاضر وأما الآخرة فلانهم قتلوهم (بِغَيْرِ عِلْمٍ) بنفع اخروى بل مع ظهور ضرر الافتراء على اللّه (وَ) كذا الذين (حَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ) أما الدنيا فلانهم ضيعوا على انفسهم المنافع التي خلقه اللّه لاجلها وأما الآخرة فلعدم علمهم بنفع فيها بل مع ظهور ضرر الافتراء إذ كان التحريم (افْتِراءً عَلَى اللَّهِ) فهم وان كانوا عقلاء مهتدين في أمور الدنيا (قَدْ ضَلُّوا) في هذين الأمرين إذ لم يراعوا فيهما الدنيا والآخرة (وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) فيما اهتدوا من أمور الدنيا أيضا لأنها لم تقصد لذاتها بل لتكون مزرعة الآخرة وقد ضيعوا على انفسهم كونها مزرعة وان عملوا ما هو مزرعة أحرقوها بكفرهم فلم يكن هداهم هدى أصلا ثم أشار إلى انهم كيف يهتدون مع افترائهم على المنعم بانواع النعم بالتحريم الذي يبطل انعامه وحكمته فيه وهو اعتبار الأمور الأخروية بها