تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 26
بصفة العبد وهي العبادة والاستعانة ولتقديم الواجب على الممكن وليسهل بمعرفته تحمل اثقال العبادة وليستعد لها بالبصيرة فلا يأخذه الكسل والغفلة أو ليفيد الاختصاص لاختصاصه بغاية العظمة وكمال القدرة والانعام التام والجود العام وانما خاطبه بعد الغيبة لأنه قبل ذكر الصفات لم ينكشف انكشافه بعد ذكرها فكان في حكم الغائب قبل ذكرها والمشاهدة بعدها ولانه كان أولا ذاكرا مفكرا ثم صار واصلا ولان الثناء محبة وهي في الغيب آكد والعبادة خدمة وهي في الحضور أتم ونون نعبد للجمع ان قرأ في الصلاة جماعة وان صلى فيها منفردا فمعه الملائكة ثم انه يذكر مع عبادته عبادة غيره سعيا في حقه أو دلالة على انه واحد من العباد نفيا لتوهم ادعاء التفرد بها واستقصار الذكر عبادته وحده من غير ان يضمها إلى عبادة أخيه أو ليورد العبادات موردا واحد الئلا تتوزع قبولا وردا أو ليستشعر بتعظيم نفسه عند التذلل له لئلا يستنكف عنها ويجرى في نون نستعين بعض هذه الوجوه* وفصلت الجملة عما قبلها الكمال الانقطاع لأن ما قبلها يتعلق باللّه وهذا بالعبد أو لكمال الاتصال لأنها كبيان ما تقدم لأن الثناء أيضا عبادة وكذا جملة اهدنا عن نستعين لأن طلب الهداية استعانة مع أن جملة اهدنا انشائية وجملة نستعين خبرية فكلاهما متردد بين كمال الانقطاع وكمال الاتصال وكرر اياك لئلا يتوهم انه يستعين بالعبادة بل بمجرد الفضل الالهى ولم يقل لك نعبد لئلا يتوهم انها تفيده شيأ ولم يقل بك نستعين لئلا يتوهم جعله آلة متوسطة بينه وبين مطلوبه ولم يقل لا نعبد الا اياك مع انه مصرح بالنفى إشعارا بقلة الالتفات بالنفى مع انه ايجاز وانفصال الضمير اطناب فيتوهم الجمع بينهما ولم يقل عبادتى لك إشعارا بوقوع الفترة فيها ولا اياك عبدت لئلا يتوهم الفراغ عنها ولم يؤكد العبادة إشعارا بضعفها ولا المسند إليه إشعارا بقصور عبادتهم حتى يجوزان يتوهم فيهم انهم ليسوا بعأبدين وأكد بالتقديم إشعارا بانهم وان قصروا في العبادة لا يعبدون غيره ثم الاستعانة تذلل كالعبادة فيتوهم اجتماع المثلين وطلب الهداية أيضا استعانة ولم يذكر شيأ من المتعلقات ولا من التعليلات ليذهب وهم السامع كل مذهب ممكن أو ليجعل كناية عن أي مقيد شاء ولم يقل اعنا كما قال اهدنا ليشعر بأن الحاجة بالحقيقة لطلب الهداية وذكر الاستعانة كالاستخارة في طلب الحاجة أوّلا
(اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) الهداية الدلالة بلطف اما بالهام كمص الثدى والتشكى بالبكاء أو بافاضة المشاعر الظاهرة والباطنة أو ببديهة العقل أو الدلائل النظرية أو بارسال الرسل وهي اما عامة تعريف طريق الخير والشر وهو اما تبيانى شرح ما جاؤا به بحيث لا يتطرق إليه الاحتمال ويدخل فيه الابتلاء واما توفيقى وهو الاخذ والتمسك بهدى الانبياء الذي يوصل إلى السعادة الأبدية والاصطفاء اما إلى الجنة واما إلى الحق واما خاصة اشراق نور في عالم النبوة أو الولاية يكشف عن الأشياء على ما هي عليه اما من اللّه قل ان هدى اللّه هو الهدى أو إلى اللّه انى ذاهب إلى ربى سيهدين او باللّه لولا اللّه ما اهتدينا أو أخص ما يمد به العبد حالا فحالا من ترقيه في العلوم وزيادته في صالح الأعمال والذين