فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 260
فقال
(وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ) من القرى (مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا) قبل الإهلاك الكلى (أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ) أي الشدة والمرض بحيث يرجى تضرعهم (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) أي يتذللون فيتركون التكبر
(ثُمَّ) لما أصروا على التكبر أنعمنا عليهم مكرا بهم حتى (بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ) أي الشدة والمرض (الْحَسَنَةَ) أي السعة والسلامة (حَتَّى عَفَوْا) أي كثروا عددا وعددا (وَقالُوا) لم يكن مس البأساء والضراء تصديقا لوعد الرسل بل هو مثل ما (قَدْ مَسَّ آباءَنَا) الذين لم يأتهم الرسل (الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) احيانا ثم زال عنهم فازدادوا كفرا بعد الاعلام القولى والفعلى (فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً) إذ لم يفدهم الاعلام القولى والفعلى وليس المراد عدم ما يفيدهم اليقين بل أخذوا (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) به بوجه من الوجوه
(وَ) لم تكن هذه المؤاخذة الا لخبثهم فانه (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى) طابوا اعتقادا وعملا بأن (آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ) بدل الفتح بالعذاب (بَرَكاتٍ) نازلة (مِنَ السَّماءِ وَ) ناتئة من (الْأَرْضِ) ليخرج نباتهم طيبا باذن ربهم (وَلكِنْ) خبثوا إذ (كَذَّبُوا) فلم يخرج الا نكدا ففتحنا عليهم العذاب (فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) جهل أهل القرى هذه السنة الالهية في القرى الهالكة
(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) مكة وما حولها (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا) أي ليلا (وَهُمْ نائِمُونَ) أي حال كمال الغفلة التي لا يرتفع حجابها بالانتباه
(أَ) أمنوا من ذلك (وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى) وقت غاية الظهور والانكشاف (وَهُمْ) غافلون عنه مع غاية ظهوره إذ (يَلْعَبُونَ) أمنوا ذلك كله
(أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ) وهو أخذه العبد من حيث لا يحتسب (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ) مع كثرة ما رأى من أخذه العباد من حيث لا يحتسبون (إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ) عقولهم فصاروا خاسرين إنسانيتهم بل أخس من البهائم
(أَ) أمنوا المكر (وَلَمْ يَهْدِ) أخذنا للأمم الماضية بذنوبهم (لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها) الماخوذين (أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) كما أصبنا الموروث منهم نعم نهديهم بالبيان (وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) البيان مع انه واجب السماع إذ
(تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ) مع ظهور صدقنا (عَلَيْكَ) أي أيها الصادق بعضا (مِنْ أَنْبائِها) مما يدل على مؤاخذتهم بذنوبهم لاصرارهم عليها بعد التنبيه (وَ) ذلك لأنهم (لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) يدعونهم إلى ما يزيلونها (فَما) أزالوا أعظمها لأنهم ما (كانُوا لِيُؤْمِنُوا) بعد مجيئهم بالدلائل القاطعة (بِما كَذَّبُوا) به (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل مجيئهم بها بل استوت عليهم الحالتان لم يؤثر فيهم دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة لما طبع اللّه على قلوبهم (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ) فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر لنكادة أرضهم وخبثها
(وَ) لذلك لو عاهدوا أن يؤمنوا عند آية مفترحة أو بلية منزلة لم يؤمنوا عند هابل (ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) في باب الإيمان ولا غيره (وَإِنْ) أي وانه (وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) أي خارجين عن قواعد العقل والعدل فلذلك أخذناهم وقد وجد مثل فعلهم في هؤلاء فيخاف عليهم مثل ما جرى على أولئك
(ثُمَّ) لم ينقطع منا ارسال الرسل كالرياح