فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 266
الاقدام على سؤال الرؤية قبل وقتها (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بانه لا يستقر لرؤيتك من بقى فيه مناسبة الحدثان بل لا بد أن يتصف بما يناسب الصفات القديمة وذلك عند غلبة الروحانية في الآخرة
(قالَ يا مُوسى) إنك وإن لم ترنى فلست بقاصر (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ) ففضلتك (عَلَى النَّاسِ) الذين ليسوا برسل (بِرِسالاتِي) التي هي نهاية مراتب كمالاتهم (وَ) فضلتك على كثير من الرسل (بِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ) فلا ترده بهذه الاسئلة السالبة لما أفضت عليك (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لتستوجب المزيد لعلك تستحق الرؤية التي هي زيادة على الحسنى
(وَ) مما زيد لموسى على الشكر انا (كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ) أي ألواح التوراة (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً) أي عبرة من رؤية كل شيء إلى ما وراءها (وَ) هلم جرا إلى ان ترى (تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) أي تعريفا يطلع على الحقائق لكن ذلك محتاج إلى قوّة الاستدلال في باب العلم والاجتهاد في باب العمل (فَخُذْها بِقُوَّةٍ) استدلالية واجتهادية (وَأْمُرْ قَوْمَكَ) الذين ليس لهم القوّة (يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) أي عزائمها دون رخصها تحصيلا للقوّة فإذا حصلت لكم القوّة كشفت لكم عن الحقائق الأخروية وأولاها ما يحفظ عن شدائدها لكن (سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) أي جهنم وهي وان كانت ظاهرة لمن نظر في الآيات لكن
(سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ) عليها مع كونهم (فِي الْأَرْضِ) التي هي أسفل السافلين (بِغَيْرِ) التقرب إلى (الْحَقِّ وَ) لكن بما يبعدهم عن الحق لأنهم (إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها) تكبرا عليها فهو سبب البعد عنه (وَ) كيف لا يبعدون عنه وهم (إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ) المقرب إليه (لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) لمنافاته أهويتهم (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) لتوسلهم به إلى أهويتهم وليس ذلك لكون أهويتهم ألذ مما تضمنته الآيات بل (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ) لتكذيبهم اياها (كانُوا عَنْها غافِلِينَ) فلم يدركوا تلك اللذات التي يترك لها الاهوية كيف وانما يدرك لذاتها بالتصفية والتزكية الحاصلة من العمل بها خوفا من آلام الآخرة وطمعا في لذاتها
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) فلا يكون لها أثر في التصفية والتزكية وليس الاحباط عليهم ظلما بل هو أيضا مقتضى عملهم التكذيب ففى كل حال (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) من المحبط للأعمال اتخاذهم العجل فانه
(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى) الذين لم يتخذوا بأحسنها فصرفوا عن آيات اللّه (مِنْ بَعْدِهِ) أي من بعد ذهابه للميقات المستنزل للكتاب المكمل لهم (مِنْ حُلِيِّهِمْ) أي من حلى كانت بأيديهم مستعارة من القبط (عِجْلًا) أي صورة عجل فعبدوها مع كونها (جَسَدًا) بلا روح وان كان (لَهُ خُوارٌ) أي صوت البقر فمع ظهور نقصه باعتبار حدوثه وعدم حياته الحقيقية اتخذوه إلها إذ صرفوا عن آيات اللّه وحججه وعلى تقدير كمال حياته الحيوانية كان عاجزا عن الكلام (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَ) على تقدير مكالمته لا يكون كلامه مفيدا إذ (لا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا) وعلى تقدير مكالمته وهدايته يكون قد (اتَّخَذُوهُ) إلها من غير استحقاق لحدوثه فكان ظلما (وَ) لكن لم يقتصر ظلمهم على هذا الوجه بل (كانُوا ظالِمِينَ)