فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 267
بوجوه كثيرة
(وَ) لكن هذه الوجوه مع كثرتها صارت مغفرة في حقهم إذ رجعوا إلى الاخذ بأحسنها لأنهم (لَمَّا سُقِطَ) أي ألقى الندم (فِي أَيْدِيهِمْ) ليتصرفوا به في رد هذه الوجوه (وَ) ذلك حين (رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا) من هذه الوجوه الكثيرة (قالُوا) في ردها (لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا) فيربينا بالتوبة (وَيَغْفِرْ لَنا) ما لا تدركه التوبة القاصرة منا (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) أعمارهم وأعمالهم الصالحة
(وَ) استزادهم موسى ندما فانه (لَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ) الذين عبد بعضهم العجل ولم يشدد غيرهم عليهم الإنكار (غَضْبانَ) لا بقصد إهلاكهم إذ كان (أَسِفًا) أي حزينا عليهم (قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي) أي بئس الحال التي صرتم عليها خلفى لا مع طول المدة بل (مِنْ بَعْدِي) أي متصلا بذهابى (أَعَجِلْتُمْ) أي أسبقتم إلى عبادة العجل (أَمْرَ رَبِّكُمْ) بعبادته فقدمتم رأيكم على أمره (وَأَلْقَى) من شدة الغضب وفرط لضجرة حمية للدين (الْأَلْواحَ) أي ألواح التوراة فانكسر منها ما كان فيها تفصيل لكل شيء وبقى ما فيه من المواعظ الاحكام (وَ) أفرط غضبه على أخيه حتى (أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ) أي بشعر رأسه (يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) تعزير اله على تركه تشديد الإنكار عليهم (قالَ) أخوه يا (ابْنَ أُمَّ) أضافه إليها استعطافا (إِنَّ الْقَوْمَ) أي عبدة العجل (اسْتَضْعَفُونِي) فلم يبالوا بتشديد إنكارى (وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي) أي قاربوا قتلى لو زدت على ما فعلت من تشديد الإنكار عليهم فقد صاروا أعدائى بالمقدار الذي فعلته من الإنكار عليهم (فَلا تُشْمِتْ بِيَ) أي لا تفرح بأخذ رأسى وجرى (الْأَعْداءَ) فانهم يشمتون بى وان كان الغضب من ترك تشديد الإنكار عليهم لأن عداوتهم ذاتية لهم (وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) في الغضب عليهم فضلا عن زيادة الغضب على فلما علم عذر أخيه وسهوه في الاخذ برأسه وفى القاء الالواح
(قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي) ما سهوت (وَلِأَخِي) تقصيره في بذل وسعه على تشديد الإنكار (وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ) بحيث لا نسهوا ولا نقصر ولا يلحقنا بما سهونا غضب ولا ذلة (وَ) لا يبعد منك إذ (أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ومع ذلك لا يغتر برحمته
(إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ) فانهم وان سقطت عقوبتهم في الآخرة من افراط رحمته (سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ) لاجله يؤمر بعضهم بقتل بعض لكنه من جملة تربيتهم لكونه (مِنْ رَبِّهِمْ وَ) هذا يدل على أنه ليس بغضب حقيقى وانما هو (ذِلَّةٌ) إذ لم يبال بقتلهم كالبرغوث والقمل ولكن لا يبالى بتلك الذلة لكونها (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) كيف (وَ) لا بد من الاذلال في حق المفترى على اللّه ورسله إذ (كَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) وقد افتروا على اللّه بأنه العجل وعلى موسى بأنه قصد ذلك العجل فنسى
(وَ) ليس ذلك في الآخرة إذ غايته انه سيئة (الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا) وإن تراخت توبتهم فوقعت (مِنْ بَعْدِها) بمدة مديدة (وَ) لا يكفى التوبة عن الافتراء على اللّه ورسله بل لا بد من تجديد الإيمان كما لا يكفى الإيمان بلا توبة فإذا (آمَنُوا) وتابوا (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها) أي بعد التوبة عن الافتراء مع الإيمان (لَغَفُورٌ) في الآخرة ولا يقتصر على ذلك الغفران بل (رَحِيمٌ) وإن أنا لهم غضبه وإذلاله في الدنيا
(وَ) كيف لا يؤثر فيهم هذه المعصية الكثيرة التي تعمدوا بها