فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 268
بنيل الغضب والذلة وقد أثر في موسى ما فعله سهوا فانه (لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَ) لم يبق فيها تفصيل لكل شيء بل انما بقى (فِي نُسْخَتِها هُدىً) أي الاعتقادات والأعمال (وَرَحْمَةٌ) من المواعظ النافعة (لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) أي يخافون حجابه أو عذابه فأثر سهوه في نقص التوراة وان غفر له ثم أشار إلى أن لحوق الغضب في الدنيا لا يمنع الرحمة الأخروية كما لا يمنع الدنيوية سيما في حق الخيار فقال
(وَاخْتارَ مُوسى) الذي اختاره اللّه لرسالته وكلامه (قَوْمَهُ) الذين يرجى لهم الرحمة الأخروية بعد نيل الغضب (سَبْعِينَ رَجُلًا) من اثنى عشر سبطا عدد البروج من كل سبط ستة عدد ما ظهر منها الا اثنين اسقاطا لنظر الشرك لكون الاختيار (لِمِيقاتِنا) في المكالمة فأمرهم أن يتطهروا ويصوموا فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى أحاط به فدخل فيه موسى وأدخلهم معه فخروا سجدا فسمعوا اللّه يكلم موسى يأمره وينهاه ثم انكشف الغمام فاقبلوا إليه وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة فأخذتهم الصاعقة (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أي الصاعقة التي يحصل منها الاضطراب الشديد (قالَ) موسى وهو يبكى ويقول ما ذا أقول لبنى اسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) من غير أن ينسب إهلاكهم إلى شؤميتى (أَتُهْلِكُنا) بنسبة الشؤم الينا (بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ) بترك الإيمان بما سمعوا إذا منعوا الرؤية مع ان غايتهم انهم (مِنَّا) وقد منعنا الرؤية (إِنْ هِيَ) أي ليست هذه الفعلة منهم (إِلَّا فِتْنَتُكَ) أي ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك فطمعوا في رؤيتك ثم اجترؤا على ترك الإيمان بما سمعوا منك بدون رؤيتك (تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ) حتى لا يؤمنوا بما سمعوا بأنفسهم منك (وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ) بمزيد الفهم لما سمعوا منك حتى يعبروا عن المنطوق إلى ماوراءه والاصل هو الاهداء وانما الاضلال لمن تخذله لكن (أَنْتَ وَلِيُّنا) فإن أضللت مع ذلك أتباعنا (فَاغْفِرْ) ذنوبهم بتبعيتهم (لَنا وَارْحَمْنا) باحيائهم الدافع نسبة الشؤم الينا وكيف لا ترحمنا (وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ) بضم الرحمة إلى المغفرة
(وَاكْتُبْ) أي أثبت (لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً) هي الثناء الحسن بدل نسبة الشؤم (وَفِي الْآخِرَةِ) حسنة بثنائك وثناء خلائقك وليس طلبنا الثناء منهم لاجلهم بل (إِنَّا هُدْنا) أي رجعنا من كل ما سواك (إِلَيْكَ) فطلبنا الثناء منهم انما هو ليدل على القبول منك (قالَ) عز وجل لموسى صدقت في أنى خير الغافرين إذ (عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ) وهم بعض العصاة من عبادى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) من العصاة والمطيعين فلا بد ان أضم الرحمة إلى المغفرة في حق من أغفر له وإذا كان من رحمتى نصيب للعصاة (فَسَأَكْتُبُها) أي أثبتها (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) المعاصى (وَيُؤْتُونَ) أنفسهم وغيرهم (الزَّكاةَ) أي الطهارة عن الأخلاق الذميمة (وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ) فيصحعون الاعتقادات وكملوا في ذلك إذ هم
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ) أي الذي أرسل إلى الخلائق لتكميلهم لكونه (النَّبِيَّ) الذي نبئ بأكمل الاعتقادات والأعمال والأخلاق والأحوال والمقامات من جهة الوحى لكونه (الْأُمِّيَّ) لم يحصل علما من بشر فكان من المعجزات المؤيدة بتصديق الكتب السابقة