فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 271

منكرين على الناهين نهيهم (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ) بالكلية في الآخرة (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ) في الدنيا (عَذابًا شَدِيدًا قالُوا) نهينا (مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ) الذي أمر بالنهى عن المنكر (وَ) لو لم يأمر بذلك لكان أولى أيضا إذ (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) فيتوبون فينجون عن الإهلاك الكلى أو التعذيب الشديد فلم يبال لقولهم الساكتون كما لم يبال لهم الفاعلون

(فَلَمَّا نَسُوا) أي الفاعلون والساكتون (ما ذُكِّرُوا بِهِ) أي ما وعظهم الناهون (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) لخلوّهم عن معصية الفعل وترك النهى (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) بالفعل أو بترك النهى (بِعَذابٍ بَئِيسٍ) أي مذموم (بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) بفعل المنهى أو ترك الواجب ولم تكن مؤاخذتهم بمجرد التعدى المذكور بل باستباحة ذلك لاستلزامها للكفر

(فَلَمَّا عَتَوْا) أي تكبروا فتباعدوا (عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ) حتى كفروا (قُلْنا لَهُمْ) أي للفاعلين والساكتين على لسان داود (كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) أي صاغرين لاستصغار ما أمره اللّه واستقباحكم ما استحسنه اللّه قيل كره الناهون مساكنة الفريقين فقسموا القرية بجدار فيه باب فأصبحوا يوما ولم يخرج إليهم أحد من الفريقين فقالوا ان لهم شأنا فدخلوا عليهم فإذا هم قردة فلم يعرفوا انسابهم لكن القردة تعرفهم فجعلت تأتى انسابها وتشم ثيابهم وتدور باكية حولهم ثم ماتوا بعد ثلاث فلو قالوا انه مختص بطائفة لم يكن منها أحد ولسنا على حالهم رد عليهم بأنهم لو لم يكونوا مثلهم لم يذلوا إذلالهم

(وَ) لكنهم أذلوا إذلالهم (إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) أي عزم لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله وأجرى مجرى فعل القسم لذلك أجيب بجوابه (لَيَبْعَثَنَّ) أي ليسلطن (عَلَيْهِمْ) لا بطريق الابتلاء لامتداده (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ) أي يزيدهم (سُوءَ الْعَذابِ) فبعث عليهم بعد سليمان بختنصر فخرب ديارهم وسبى ذراريهم ونساءهم وضرب الجزية على من بقى منهم فكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فقاتلهم وأجلاهم ثم ضرب عليهم الجزية فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة جازاهم اللّه بذلك قبل يوم القيامة مسارعة إلى عقابهم (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَ) لكن لم يعاقبهم معاقبة أخروية لئلا تكون ملجئة لهم إلى الإيمان فستر عليهم (إِنَّهُ لَغَفُورٌ) كيف وقد استوجبوا باعترافهم نصيبا من رحمته وهو (رَحِيمٌ) لكن لا يغفر لجميعهم ولا يرحمهم يوم القيامة إذ

(وَقَطَّعْناهُمْ) أي فرقناهم (فِي الْأَرْضِ) التي هي مزرعة الغفران والرحمة في الآخرة فصاروا (أُمَمًا) مختلفة تستوجب اختلاف الجزاء إذ (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ) أي من ينحط عن درجة الصلاح لكفر أو فسق (وَ) دللنا لهم على اختلاف الجزاء إذ (بَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ) التي هي أمثلة جزاء الصلاح والفسق (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) عن أسباب السيئات إلى الحسنات والاختلاف انما كان فيهم في قرن يلى قرن موسى عليه السّلام مع طراءة الوحى اما الآن

(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) أي فجاء من بعد قرنهم قرن (وَرِثُوا الْكِتابَ) من المختلفين لكنهم اتفقوا على استبدال الكتاب بأدنى الاعراض إذ (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى) أي الأمر الذي لا يستقر مع كونه من هذا الادنى بدل الكتاب فيحرفون كلمة حكمه من أجله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت