تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 294
اذلالهما وعقد الذمة إذلال للذمى (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ) قبل النسخ (عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) فانه يعتبر عهده لوقوعه قبل النسخ في مكان الامن المعظم عندهم بحيث لا يخالف فيه بواطنهم ظواهرهم فلا يؤثر معه المانع لكنه مشروط بدوام الاستقامة على العهد (فَمَا اسْتَقامُوا) أي فما داموا مستقيمين على عهدهم مراعين (لَكُمْ) أي لحقوقكم (فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) فأنتم أولى بالاستقامة فاتقوا اللّه في نقض عهد المستقيمين على عهدهم قبل النسخ عند المسجد الحرام(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
كَيْفَ)يكون لغيرهم عهد عند اللّه وهو ناظر إلى بواطنهم (وَ) لا عهد فيها لكونهم بحيث (إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا) أي لا يراعوا (فِيكُمْ إِلًّا) أي يمينا (وَلا ذِمَّةً) أي عهدا ولا يغتر بظواهرهم إذ (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَ) هي مخالفة لبواطنهم إذ (تَأْبى قُلُوبُهُمْ وَ) لا يبعد منهم إذ (أَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ) بمقتضى دينهم أيضا ويكفى في فسقهم انهم
(اشْتَرَوْا) أي استبدلوا الحق المدلول عليه (بِآياتِ اللَّهِ) اهوية فاسدة فكانت (ثَمَنًا قَلِيلًا) وكيف لا يفسقون وقد عادوا اللّه باتباع تلك الاهوية (فَصَدُّوا) أنفسهم وأتباعهم (عَنْ سَبِيلِهِ) فسلكوا سبيل المساوى (إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ومن سوء أعمالهم انهم
(لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ) وإن راقبوه في كافر (إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَ) لا يقتصرون على أدنى المساوى بل (أُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) أي المجاوزون للغاية في المساوى كلها ومع ذلك تعتبر توبتهم مع قرائن صحتها
(فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ) بدل أسواء أعمال الجوارح (وَآتَوُا الزَّكاةَ) بدل اسواء تصرفات الأموال (فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ) لا ينظر إلى بواطنهم مع هذا الظاهر المؤيد بهذه الدلائل (وَ) كيف لا يكونون اخوانكم ونحن (نُفَصِّلُ الْآياتِ) الدالة على اخوّتهم لكنها نما تكون مفيدة (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ثم أشار إلى انه لا يؤمّن ناقضو الأيمان والطاعنون في الدين فضلا عن ان يقروا بالجزية فقال
(وَإِنْ نَكَثُوا) أي نقضوا (أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ) الذي لا ينقضه من يبالى باللّه لولا الإيمان (وَ) كذا ان (طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا) كلا الفريقين لكونهما (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) أي رؤساءهم اما الطاعنون فلانهم جمعوا بين الاخذ بالباطل وبين الطعن على الحق واما الناكثون فلانهم لا يبالون باللّه (إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ) كيف ولا ينتهون عن النكث والطعن بدون القتال فيقاتلون (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) عنهما سيما إذا لم ينصروا أصلا ثم أشار إلى انه كيف يترك قتالهم وقد توفرت أسبابه فقال
(أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ) عن قلة مبالاتهم باللّه (وَ) لم يكن عن غفلة بل بعد بلوغ الرسالة بل (هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وهو أشد من الطعن في الدين كيف(وَ) هو مجازاة إذ (هُمْ بَدَؤُكُمْ) به ويكفى فيه ابتداؤهم (أَوَّلَ مَرَّةٍ) وإن كان منكم الابتداء في بعض المرات المتأخرة فهذا أسبابه ولا مانع فيه سوى خوفكم منهم (أَتَخْشَوْنَهُمْ) مع ترك خشية اللّه في مخالفة أمره (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ) لأنه لا نسبة لقوّة الخلق إلى قوّته ولا لشدتهم إلى شدته (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بكمال