تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 295
قوّته وشدته على ان شدة القتال انما تقع عليهم ولا يحصل لكم منه سوى الفائدة العظيمة
(قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ) بآلام الجراحات والموت (بِأَيْدِيكُمْ) تغليبا لكم عليهم (وَيُخْزِهِمْ) بالاسر والاسترقاق فيجتمع في حقهم العذاب العقلى مع الحسى (وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ) زيادة في عذابهم العقلى (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) من أذية شبهاتهم هذا هو الشفاء المعنوى
(وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) وهو شفاء حسى (وَ) من الفوائد أنهم إذا رأوا نصركم مع ضعفكم (يَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) فيحصل لكم أجرهم ولا يفوتكم شيء من هذه الفوائد لأنها مقتضيات استعدادكم واستعدادهم (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أحسبتم ان تنقلب الأمور المذكورة مع علم اللّه وحكمته
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا) فلا تؤمروا بالقتال (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ) وقوع ما علم في الازل انه سيقع من التمييز بين المتخلفين عن الجهاد وبين المتخذين من دونه ودون رسوله والمؤمنين وليجة وبين (الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ) اخلصوا بأن (لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ) أي المجاوزين لهم (وَلِيجَةً) أي بطانة يفشون إليها اسرارهم والمقصود من هذا اظهار ذلك الزاما للحجة (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) أي ببواطن أعمالكم وفيه اشارة إلى أن القيام بالجهاد لا يصير لهم حجة ما لم يخلصوا بواطنهم ثم أشار إلى انهم كيف لا يؤمرون بقتالهم مع انه لا يندفع بدونه إذيتهم عن المؤمنين في عبادتهم التي خلق الناس لاجلها ولا يتأتى منهم لأنه
(ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ) بالصلاة التي هي أجل العبادات إذ لا يصح منهم حال كونهم (شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) بجعل معبودهم مساويا لمن لا يستحق العبادة وكيف يصح منهم حال الكفر مع أن (أُولئِكَ) لو عملوا الصالحات قبل الكفر ثم كفروا (حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَ) لو لم تحبط لم يستفيدوا بها إذ (فِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ) ثم قال
(إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ) أي يستحق عمارتها بعبادته (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) فلم يسوّ بينه وبين غيره (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فدعاه اعتقاد جزائه إلى تكميل عباداته (وَأَقامَ الصَّلاةَ) المستتبعة لسائر العبادات الناهية عن الفحشاء والمنكر (وَ) انما يتأتى ذلك إذا (آتَى الزَّكاةَ) المانعة من حب المال الجالب إلى الشهوات (وَلَمْ يَخْشَ) فوات مال ولا شهوة ولم يبال بشريك بل لم يخش (إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) للاطلاع على اسرار الصلاة التي بها عمارة مساجد اللّه فإن زعموا ان لهم عبادة كسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وهما كالصلاة والزكاة قلنا لو سلم فليستامن العبادات المطلوبة بالذات ولا مما يوصل إليها ولا مما يماثل ذلك
(أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ) أي كإيمان من (آمَنَ بِاللَّهِ) وهي العبادة المطلوبة بالذات (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الداعى إلى الإيمان باللّه (وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) المفيد نشره وتكميله فإن سويتم بينهم (لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) كيف (وَ) ليس ذلك بعبادة مع الكفر إذ (اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) بالكفر إلى عبادته وان أتوا بصورة العبادة ولئن سلم ان ذلك عبادة فلا تساوى الإيمان ولا سبب بقائه ورفع الاذية عنه إذ
(الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا)