تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 297
موطن واحد بل (فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ) بحيث صارت سنته المستمرة التي لا تتبدل (وَ) لا يرد يوم حنين فانه نصركم أيضا (يَوْمَ حُنَيْنٍ) حين تركتم التقوى وهو واد بين مكة والطائف وقيل بجنب ذى المجاز خرج إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد فتح مكة في عشرة آلاف من المهاجرين والانصار وألفين من الطلقاء لقتال هوازن وثقيف وكانوا أربعة آلاف فقال بعض الصحابة انا لن نغلب اليوم عن قلة فكره اللّه ذلك فعند تقويكم بها (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) فاعتمدتم عليها وكلكم إليها (فَلَمْ تُغْنِ) كثرتكم (عَنْكُمْ شَيْئًا) من أمر العدوّ مع قلتهم (وَ) لكن انعكس عليكم إذ (ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ) لا تجدون فيها مقرا كمن ضاق عليه مكانه (بِما رَحُبَتْ) أي مع سعتها (ثُمَّ) زدتم ضعفا حتى (وَلَّيْتُمْ) ظهوركم للكفار (مُدْبِرِينَ) أي قاصدين ادبار الا رجوع بعده إذ كانت هوازن رماة لا يسقط لهم سهم وقد بقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مركزه ليس معه الا العباس وسفيان بن الحرث
(ثُمَّ) لما ذهب اعجابكم بكثرتكم (أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ) ما تسكنون به وتثبتون (عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) إذ قال العباس صح بالناس فنادى إلى عباد اللّه يا أصحاب الشجرة يا أصحاب سورة البقرة فكروا عنقا واحدا يقولون لبيك لبيك فنزل عليه السّلام ودعا وقال أنا النبى لأكذب أنا ابن عبد المطلب اللهم أنزل نصرك ثم صفهم وقال هذا حين حمى الوطيس أي اشتد الحرب والوطيس التنور ثم أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حصيات فرمى بها وجوه الكفار وقال انهزموا ورب الكعبة وقيل قبض التراب ثم استقبل به وجوههم وقال شاهت الوجوه فما ترك اللّه منهم إنسانا الا ملأ عينيه ترابا (وَأَنْزَلَ) لتقويتكم بدل تقوية كثرتكم (جُنُودًا لَمْ تَرَوْها) وهم خمسة آلاف وستة عشرا وثمانية عشر ملكا وقد رآهم المشركون إذ كانوا لتخويفهم (وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالقتل والاسر والسلب بعد النصر (وَذلِكَ) التعذيب (جَزاءُ الْكافِرِينَ) أي المصرين على الكفر بعد النصر
(ثُمَّ) إذا علموا أنه جزاء كفرهم (يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) القهر الدنيوى وان كان لا يتوب بعد القهر الأخروى (عَلى مَنْ يَشاءُ) بالتوفيق للإسلام ليغفر لهم ويرحمهم في الآخرة كيف (وَ) لو آمنوا قبل القهر الدنيوى لغفر لهم ورحمهم إذ (اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) روي أن ناسا منهم جاؤا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأسلموا وقالوا يا رسول اللّه أنت خير الناس وأبرهم وقد سبى أهلونا وأولادنا وقد أخذت أموالنا فقال اختاروا اما نساءكم واما أموالكم فقالوا ما كنا نعدل بالاحساب شيأ فقال عليه السّلام من كان بيده سبى وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيأ فنعطيه مكانه فقالوا رضينا وسلمنا فقال لا أدرى لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا الينا فرفعوا أنهم قد رضوا ثم أشار إلى أن موالاتهم مع عدم افادتها التقوية المحصلة للنصر تضر بسريان نجاسة بواطنهم إلى البواطن الطاهرة للمؤمنين فقال
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فطهروا بواطنهم (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) باعتبار بواطنهم بحيث لم تجعل ظواهرهم نجسة لأن نجاسة الاعتقاد غير حالة فيها