تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 298
والنجاسة لا تنجس غير محلها يخاف بسرايتها إلى من يواليهم (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) الذي تجتمع فيه المتفرقون في الأرض ليسرى صفاء القلوب من بعض إلى بعض وههنا يخاف سريان الظلمات في العموم (بَعْدَ عامِهِمْ هذا) أي عام حجة الوداع الذي كمل فيه الدين المطهر (وَإِنْ خِفْتُمْ) بمنعهم من الحرم (عَيْلَةً) أي فقرا من انقطاع أرزاق كانت من قدومهم (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ) عنه مما يعطيكم (مِنْ فَضْلِهِ) من فتح البلاد وحصول الغنائم وتوجه الناس من اقطار الأرض (إِنْ شاءَ) في عام دون عام وشخص دون شخص لا بطريق التحكم بل بحسب الاستعدادات (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) بالاستعدادات (حَكِيمٌ) في رعايتها من غير ايجاب عليه وإذا كان خوف العيلة يندفع بفتح البلاد وحصول الغنائم وتوجه الناس من اقطار الأرض من غير تعويق
(قاتِلُوا) من تخافون العيلة بسببهم وقد استحقوه لأنهم (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) لقولهم بالتجسم أو الحلول والاتحاد (وَ) لو آمنوا به على التنزيه (لا) يتم لهم لأنهم لا يؤمنون (بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) لإنكارهم حشر الاجساد أو للاكل والشرب والنكاح في الجنة أو للخلود في النار (وَ) لو آمنوا به لا يتم لهم أيضا لأنهم (لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ) في كتابه (وَرَسُولُهُ) في سنته (وَ) لو حرموا ما حرمه التوراة والانجيل لم يعتد به إذ (لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) أي الثابت الذي لا ينسخ وقد نسخ سائر الاديان مع كونهم (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) ليؤمنوا بكل ما ذكر (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) أي ما يجزيهم عن حقن دمائهم وهي الخراج المضروب على الرقاب يعطوانها (عَنْ يَدٍ) أي انعام للمسلمين عليهم في حقن دمائهم (وَهُمْ صاغِرُونَ) إذ لاء يؤخذ بلحاهم ويضرب في لهازمهم إذ ذاك قاطع لخوف العيلة من جهتهم بالكلية
(وَ) لعدم تدينهم بدين الحق (قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) لكونه حاملا أسرار اللّه وهو تحققه بصفة كلامه إذ أملى عليهم التوراة حفظا بعد ما أماته اللّه مائة عام ثم بعثه ولم يبق لهم بعد وقعة بختنصر من يحفظها وهذا قول بعضهم ولذلك لم ينكر أهل عصره صلّى اللّه عليه وسلّم مع تهالكهم على التكذيب ولو كذبوا لاشتهر (وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) لظهوره بصفة القدرة إذ أبرأ الاكمه والابرص وأحيا الموتى ثم قال (ذلِكَ) القول ليس بلازم لاعتقادهم الظهور بصفته عز وجل بل (قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ) من غير شبهة سوى أن التحقق بصفة اللّه تعالى دليل مشاركته في الالهية فهم (يُضاهِؤُنَ) بهذا القول المشركين إذ شابه قولهم (قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) الجاعلين التحقق بصفة اللّه دليل مشاركة في الالهية (قاتَلَهُمُ اللَّهُ) أي فعل بهم فعل الاعداء من الإهلاك (أَنَّى) كيف (يُؤْفَكُونَ) من القول بالظهور إلى المشاركة في الالهية وقد شابهوا الكفار من وجه آخر وهو انهم
(اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ) أربابا يحرمون لهم ويحلون من عند أنفسهم فعل الكفار السابقين باحبارهم (وَرُهْبانَهُمْ) إذ أظهروا ببعض أسماء اللّه وصفاته (أَرْبابًا) يعبدونهم (مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ) ليس هذا من خواص المشركين بل النصارى اتخذوا (الْمَسِيحَ) مع علمهم بانه كان (ابْنَ مَرْيَمَ) ربا قاله بعضهم وما مر قول البعض الآخر (وَ) لم يأمرهم بذلك المسيح ولا عزير بل (ما أُمِرُوا) على لسانهما ولسان سائر الانبياء