فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 300

البروج وصورها متحاذية فلما خرجت عن محاذاتها حصل هذا التفاوت فلم يعتبر لأنه لا يزال يختلف باختلاف الدورات فجعل ذلك الاصل مناط الاحكام الشرعية لذلك كان (مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) ذو القعدة وذو الحجة والمحرم والرجب ليكون ثلث السنة تغليبا للتحليل الذي هو مقتضى سعة الرحمة على التحريم الذي هو مقتضى الغضب فجعل أوّل السنة وآخرها وهو المحرم وذو الحجة ولما لم يكن له وسط صحيح أخذ أوّل النصف الآخر وهو رجب فبقى من الثلث شهر فاخذ قبل الآخر وهو ذو القعدة ليكون مع آخر السنة المتضلة بأوّلها وترا وبقى وترية رجب فتتم السنة على التحريم باعتبار أوّلها وآخرها وأوسطها مع تذكر وترية الحق المؤكد للتحريم (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي المستقيم عقلا ونقلا عن ابراهيم واسمعيل عليهما السّلام (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) بالمعاصى فإنها تعظم فيهن عظمها في الحرم لذلك يتغلظ فيها دية القتل المحرم (وَ) لكن (قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ) في السنة (كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) فعفى عن تحريمه مكافأة لهم ويدل على عفوه نصره اياكم (وَاعْلَمُوا) إذا شككتم في بقاء تحريمها مع نصركم (أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) بالنصر ومع ذلك يجب اتقاء تغيير الشهور المحرمة

(إِنَّمَا النَّسِيءُ) أي تأخير التحريم من شهر إلى آخر (زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) مضمومة إلى الكفر السابق لأنه (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) باللّه عن أحكامه إذ يجمعون بين الحل والحرمة في شهر واحد وغاية ما يرفع التناقض انهم (يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا) وهذا وان رفع التناقض فهو تغيير لاحكام اللّه وغاية اعتذارهم عن التغيير أنهم فعلوا ذلك (لِيُواطِؤُا) أي ليوافقوا عدتهم (عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ) لكنه يكفى في التغيير نقلهم الحرمة من شهر آخر (فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ) من غير أن يكون لهم نسخ أحكام اللّه فكأنهم يدعون الالهية لانفسهم لكنهم لا ينظرون إلى هذه اللوازم القبيحة لأنه (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَ) لو لم يزين لهم فلا أقل من أنهم لا يرون قبحها إذ (اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) به وبأحكامه للقبائح ليجتنبوها ومما زين لهم من سوء الأعمال استحلالهم القتال على الباطل في الاشهر الحرم مع انه خلاف مقتضى بخلهم لأن منشأه ايثار الحياة الدنيا فلا ينبغى أن يزين ترك القتال على الحق للمؤمنين ايثار إلها على الآخرة

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بفوائد الآخرة سيما للمجاهدين على الحق ودناءة الدنيا (ما) ذا عرض (لَكُمْ إِذا قِيلَ) من جهة اللّه ورسوله نفعا (لَكُمُ انْفِرُوا) أي اخرجوا للقتال لتسلكوا بالناس (فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ) أي أبطأتم ابطاء الثقيل لميلكم (إِلَى الْأَرْضِ) ميل الثقيل إليها (أَرَضِيتُمْ) أيها المؤمنون بفوائد الآخرة سيما للمجاهدين (بِالْحَياةِ الدُّنْيا) أي الحقيرة بدلا (مِنَ الْآخِرَةِ) أي من فوائدها سيما للشهداء فإن زعمتم ان الفوائد الدنيوية محققة دون الأخروية ففيه تضييع الإيمان الذي به النجاة والدرجات بأدنى الأشياء (فَما مَتاعُ) أي فائدة (الْحَياةِ الدُّنْيا) إذا وضعت (فِي) جنب فوائد (الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) فكيف يتحمل لاجل هذا القليل هذا الخطير العظيم على أنه لا يحصل لكم هذا القليل حينئذ أيضا فانه

(إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ) بتسليط أعدائكم عليكم (عَذابًا أَلِيمًا) بالقتل والاسر وراء العذاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت