تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 311
ورسوله (وَهُمْ أَغْنِياءُ) قادرون على تحصيل الاهبة فاقل ما يعاتبون به انهم (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ) من النساء والصبيان وسائر أصناف العاجزين وهذا الرضا كما هو سبب العتاب فهو أيضا سبب العقاب لأنه لما كان عن قلة مبالاتهم باللّه غضب اللّه عليهم (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ما يترتب عليه من المصائب الدينية والدنيوية ولغاية جهلهم
(يَعْتَذِرُونَ) سدا للسبيل عليهم وهو لا ينسد الا بسد اللّه تعالى وليس اعتذارهم إليه بل (إِلَيْكُمْ) إذ لو كان إلى اللّه لكان قبل رجوعكم إليهم لكنه (إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ) إذ قبله كانوا يتوقعون عدم رجوعكم فإذا رجعتم إليهم خافوا أن تفضحوهم بالنفاق (قُلْ لا تَعْتَذِرُوا) لظهور كذبكم إذ لم يمنعكم فقر ولا مرض ولا يفيدكم الاعتذار لانا (لَنْ نُؤْمِنَ) أي لن نصدق قولكم حتى يكون مفيدا (لَكُمْ) وكيف نصدقكم مع انه (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ) بما يفضحكم (مِنْ أَخْبارِكُمْ وَ) لو لم ينبئنا لظهر كذب عذركم بأفعالكم فانه (سَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ) هو لعدم اعتذاركم إليه غضبان عليكم فلا يبعد أن يظهره سيما عند رسوله فيراه (رَسُولُهُ) ولا يبعد أن يأمره بتبليغه لتفتضحوا عند الكل (ثُمَّ) ان لم يفضحكم ههنا فلا يبعد أن يفضحكم عند جميع خلائقه يوم القيامة إذ (تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) فلا يقتصر في فضيحتكم بظواهركم بل يعم الظاهر والباطن (فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي بجميع أعمالكم بحضرة جميع الخلائق وإذا لم يقبل عذرهم يرون أنه انما لم يقبل عذرهم لكونه غير مقرون بالحلف فحينئذ
(سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ) تعزيرا (لَكُمْ) ويدل على هذا التعزير كونه (إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ) ولا يقصدون بذلك تصديقكم اياهم ليأسهم عنه بل (لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) فلا تقعوا فيهم وان كان داعيا لهم إلى الإخلاص (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) إذ لا يكون وقوعكم فيهم داعيا لهم إلى الإخلاص (إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَ) لا ينسد بذلك السبيل الذي جعل عليهم إذ (مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) من الاصرار على النفاق بالاعراض عنهم ثم إذا علموا ان اعراضكم عنهم انما هو لكونهم رجسا
(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) باعتقاد الطهارة والإخلاص فيهم (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ) فلا يفيدهم رضاكم (فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) أي الخارجين عن الطهارة والإخلاص وان أدخلتموهم فيهما فغايته الاعراض السابق عليه لا غير ثم أشار إلى أن منافقى الاعراب أشد رجسا فلا يغتر بحلفهم وان لم يكذبهم الوحى فقال
(الْأَعْرابُ) إذا نافقوا (أَشَدُّ كُفْرًا) فلا يبالون بالكذب في حلفهم باللّه (وَ) لا يغتر بعدم ظهور امارات الكذب عليهم لأن منشأ ذلك كونهم أشد (نِفاقًا) وكيف يغتر بحلفهم (وَ) هم (أَجْدَرُ) أي أحق (أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ) أي نهايات أحكام (ما أَنْزَلَ اللَّهُ) من مقام جمعه (عَلى رَسُولِهِ) الجامع فلا يعلمون ما يلزم الخالف باللّه على الكذب لعدم مخالطتهم لأهل العلم وقلة استماعهم للكتاب والسنة (وَاللَّهُ) تعالى وان جعل الحلف سبب التصديق فحيث لا تعارضه امارة الكذب وهي وان كانت خفية في بعض المواضع لا تخفى عليه لأنه (عَلِيمٌ) وكيف يجعله مع امارات الكذب سبب التصديق