تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 312
مع انه (حَكِيمٌ) من عدم علمهم بحدود ما أنزل اللّه جعلوا ما هو سبب محبة اللّه والإخلاص معه سبب النفاق إذ
(وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ) في سبيل اللّه وهو سبب الإخلاص (مَغْرَمًا) أي خسرانا وهو سبب العداوة (وَ) لذلك (يَتَرَبَّصُ) أي ينتظر (بِكُمُ الدَّوائِرَ) أي دوائر الفلك ليتخلص من ذلك الانفاق فيسبونكم بذلك (عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) من تلك الدوائر التي سبوكم بها ظلما كيف (وَاللَّهُ سَمِيعٌ) سبهم مستجيب لها لا في حقكم إذ لا تستحقونها بل في حقهم لأنه (عَلِيمٌ) بمن يستحقها نزلت في غطفان وأسد وتميم وبنى عامر بن صعصعة (وَ) انما جعلوه سبب العداوة لعدم الإيمان باللّه فيتقربوا إليه ولا باليوم الآخر فيرجوا ثوابه وأما المؤمنون فيرون فيه أنواع القربات ولو من الاعراب فان
(مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وإن لم يخالطوا أهل العلم وقل سماعهم للكتاب والسنة (وَ) لإيمانه باللّه المتقرب إليه واليوم الآخر المنتفع فيه بالتقرب إليه (يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ) في سبيله (قُرُباتٍ) امتثالا لامره وترجيحا لحبه وقطعا لحب ما سواه لينتفع بها (عِنْدَ اللَّهِ وَ) إذا نظر إلى قصوره رأى كماله من (صَلَواتِ) أي دعوات (الرَّسُولِ) بالرحمة المكملة لقصوره (أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ) كاملة (لَهُمْ) جامعة لانواع القربات يكملها اللّه بدعوة الرسول ويزيد على مقتضاها فانه (سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ) بحيث تحيط بجوانبهم وان كان قصورهم من معاصيهم غفرها لهم (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قيل نزلت في جهينة ومزينة وأسلم وغفار وعبد اللّه ذى البجادين وقومه ولما كان لمؤمنى الاعراب مع بعدهم عن العلم القربة والرحمة كان للسابقين الرضوان كما قال
(وَالسَّابِقُونَ) وليس المراد بهم المقربين بل (الْأَوَّلُونَ) ولو من العوام إذ كانوا (مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) أي من تقدم بالهجرة والنصرة (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) أي سلك سبيلهم بشرط اقترانهم (بِإِحْسانٍ) وهي عبادة ربهم كأنهم يرونه (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) لأن الهجرة أمر شاق على النفس لمفارقة الأهل والعشيرة والنصرة منقبة شريفة لأنها اعلاء كلمة اللّه ونصر رسوله وأصحابه والاحسان من أحوال المقربين أو مقاماتهم (وَ) دليل رضوانه عنهم انهم (رَضُوا عَنْهُ وَ) استلزم رضاه عنهم كل خير قبل أن يخلقوا إذ (أَعَدَّ لَهُمْ) قبل أن يخلقهم (جَنَّاتٍ) بدل ما تركوا من دورهم وأهليهم وبدل ما أعطوه للمهاجرين من أموالهم ولغرسهم جنات القرب في قلوبهم (تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ) لاجرائهم انهار المعارف في قلوبهم وقلوب من اتبعوهم بهذه لهجرة والنصرة والاحسان (خالِدِينَ فِيها أَبَدًا) لتخليدهم هذا الدين بإقامة دلائله وتأسيس قواعده إلى يوم القيامة والعمل بمقتضاه واختيار الباقى على الفانى (ذلِكَ) الحاصل لهم من الهجرة والنصرة وإقامة الدلائل وتأسيس القواعد (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) بدل ما تركوا من الأمور الخسيسة ثم أشار إلى أن هذا الرضوان وان عم المهاجرين والانصار يستثنى من الانصار المنافقون سواء كان نفاقهم لبعدهم عن مخالطة أهل العلم أو لعناد الباطن فقال
(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ) الانصار (الْأَعْرابِ) مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار بعضهم (مُنافِقُونَ) لا يستحقون الرضوان ولا الرحمة وان بعدوا عنكم وكانوا قليلى الفقه (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)