تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 313
الاوس والخزرج بعضهم أيضا منافقون وهم أولى بعدم الرضوان والرحمة لأنهم مع مخالطتهم لأهل العلم ومعاينتهم المعجزات (مَرَدُوا) أي مرنوا وثبتوا (عَلَى النِّفاقِ) ونفاقهم وان كان بحيث (لا تَعْلَمُهُمْ) مع صدق فراستك لا يفيدهم إذ (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ) بدل الرضا الذي فوق الرحمة (مَرَّتَيْنِ) مرة باظهار نفاقهم بإخراجهم يوم الجمعة في خطبتها من المسجد بأساميهم ومرة باحراق مسجد الضرار وقيل الاولى ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم والثانية عذاب القبر وهذا البدل في الدنيا أو القبر (ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) فوق البدل يوم القيامة
(وَ) من أهل المدينة قوم (آخَرُونَ) ليسوا من أهل الرضا وان لم يكونوا منافقين لأنهم (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) فلم يعتذروا بالاعذار الكاذبة وانما لم يكونوا من أهل الرضوان لاختصاصه بأهل الصلاح وهؤلاء (خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا) كالندم وربط أنفسهم بالسوارى (وَ) عملا (آخَرَ سَيِّئًا) كالتخلف عن الغزوة (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) أي قرب أن يقبل توبتهم (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) لسيئهم (رَحِيمٌ) بصالحهم نزلت في أبى لبابة بن عبد المندر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حرام تخلفوا عن غزوة تبوك ثم ندموا وربطوا أنفسهم بالسوارى وعزموا أن لا يطلقوها حتى يطلقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج إليهم صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر باطلاقهم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية فأرسل إليهم فأطلقهم فقالوا يا رسول اللّه هذه أموالنا التي خلفتنا فتصدق بها وطهرنا فقال عليه السّلام ما أمرت ان آخذ من أموالكم شيأ فنزل
(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ) أي بعضها (صَدَقَةً) لتصدق توبتهم إذ (تُطَهِّرُهُمْ) بها عن حب المال بعد تطهير التوبة عن المعاصى (وَتُزَكِّيهِمْ بِها) عن سائر الأخلاق الذميمة التي حصلت عن المال (وَ) لو لم تكمل تزكيتهم بها (صَلِّ عَلَيْهِمْ) أي ادع بالرحمة عليهم لتوصلهم إلى اللّه تعالى فإن حصلت التزكية قبلها احتيج إليها أيضا للتسكين (إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) أي تسكنهم في مقام التزكية والقرب (وَ) لا تتردد في تأثير صلاتك فيهم إذ (اللَّهُ سَمِيعٌ) أي مجيب لصلاتك عليهم لكنه يتفاوت تأثيرها بحسب استعداداتهم إذ هو (عَلِيمٌ) باستعداداتهم وكيف يشكون في تأثير صلاتك مع انه لا ينبغى لهم ان يشكوا في قبول توبتهم وأخذ اللّه الصدقة منهم
(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ) من غير شفاعة شافع لصدورها (عَنْ عِبادِهِ) الراجعين إليه بعد الاباق عنه (وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ) قبل ان يأخذها الفقير إذ يخرج عن ملك المتصدق أوّلا فيدخل في ملك اللّه فكأنها تقع في يده أوّلا قبل يد الفقير وكيف يشكون في هذين (وَ) قد علموا (أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) بذاته فلا حاجة إلى الشفاعة ولا إلى قبول الفقير
(وَقُلِ) لأهل التوبة والتزكية والصلاة لا تكتفوا بها بل (اعْمَلُوا) جميع ما تؤمرون به (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ) فيزيدكم قربا على قرب (وَرَسُولُهُ) فيزيدكم صلوات (وَالْمُؤْمِنُونَ) فيتبعونكم فيحصل لكم أجرهم من غير ان ينقص من أجورهم شيء (وَ) ان قصرتم في شيء مما أمرتم به (سَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) من الأعمال الخبيثة بعد ما أعطاكم