تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 314
هذه الفضائل ولا تغتروا بظهور تلك الفضائل فإن الأعمال الخبيثة انما حصلت من اضدادها الخفية
(وَ) من أهل المدينة قوم (آخَرُونَ) ليسوا من أهل الرضوان ولا من أهل العذاب الجازم ولا من أهل الرحمة الجازمة لأنهم نافقوا وتابوا توبة قاصرة قيل هم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع فهم (مُرْجَوْنَ) أي مؤخرون انتظارا (لِأَمْرِ اللَّهِ) أي لحكمه فيهم لتردّد حالهم بين أمرين (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ) لبقاء أثر النفاق فيهم (وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) وإن قصرت توبتهم فوقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمرهم خمسين ليلة ونهى الناس عن مكالمتهم فاخلصوا توبتهم فرحمهم (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بما ينبغى ترجيحه من أثر النفاق والتوبة (حَكِيمٌ) لا يرجح من غير مرجح فرجح أمر التوبة عند إخلاصها فقسم المخلفين ثلاثة أقسام ماردين على النفاق وتائبين ومرجئين
(وَ) من أهل المدينة (الَّذِينَ) قصدوا بأكمل أعمال المسلمين أشد وجوه الكفر وهم بنو غنم بن عوف حيث (اتَّخَذُوا مَسْجِدًا) يقصد به نفع المسلمين بأجل أعمالهم وهي الصلاة بالجماعة تقوية للإسلام بجمع قلوب أهله على الخيرات ورفع الاختلاف من بينهم (ضِرارًا) للمسلمين إذ قصدوا قتلهم فيه بعد سدّ أبوابه (وَكُفْرًا) إذ قصدوا به قتل الرسول عليه السّلام فيه (وَ) لو لم يحصل ذلك فلا أقل من ان يوقع (تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) الذين كانوا يجتمعون بمسجد قبا (وَإِرْصادًا) اعداد مكان ترقبا (لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي لابى عامر الراهب الذي حارب المؤمنين (مِنْ قَبْلُ) يوم حنين فانهزم فهرب إلى الشام ليذهب إلى قيصر فيأتى بجنود منه فلما فرغوا من بنائه أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول اللّه انا قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية وانا نحب ان تأتينا وتصلى لنا فيه وتدعو بالبركة فقال انى على جناح سفر ولو قدمنا ان شاء اللّه أتيناكم فلما انصرف من تبوك نزل بذى أوان موضع بينه وبين المدينة مسيرة ساعة أتوه فسألوه ان يأتى بمسجدهم فدعا بقميصه ليلبسه ويأتى مسجدهم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدى وعامر بن السكن ووحشيا فقال لهم انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه ففعلوا وتفرق عنه أهله (وَ) بعد ظهور هذه المقاصد منهم (لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا) الارادة (الْحُسْنى) ليس معها هذه المقاصد (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) في دعوى هذه الارادة بل لم يكن لهم الا تلك المقاصد الفاسدة ولو غيروا الآن قصدهم
(لا تَقُمْ فِيهِ) للصلاة لكونه موضع غضب اللّه (أَبَدًا) أي في وقت من الاوقات وان تيقنت في بعضها انه لا يتأتى لهم شيء من تلك المقاصد الباطلة (لَمَسْجِدٌ) بناه اخوتهم بنو عمرو بن عوف وهو مسجد قبا لكونه محل رضا اللّه إذ (أُسِّسَ) أي بنى (عَلَى التَّقْوى) أي قصد التحفظ من معاصى اللّه بفعل الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر ولو قصدوا بمسجدهم التقوى اليوم فلا يكون كالذي أسس عليها (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) ابتدئ بناؤه فيه (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) وترك الاحق في حقك كالحرام ثم المقصود من