تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 317
القلوب إلى الاستغفار للاقارب مع الجهل بحرمته (وَ) قد تاب على (الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) فعفا عن ميلهم إلى التخلف لأنهم (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) في الخروج إلى تبوك (فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) حيث تعاقب عشرة على بعير واقتسم رجلان تمرة ونحر بعضهم البعير من شدة العطش فعصر فرثه فشربه وجعل ما بقى منه على كبده فكان اتباعهم (مِنْ بَعْدِ ما كادَ) أي قرب (يَزِيغُ) أي تميل (قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ) مع علمهم بحرمة ذلك الميل (تابَ عَلَيْهِمْ) حتى وفقهم للمتابعة مع ان مثل هذا الزيغ من أهل العلم موجب للمقت الالهى لكنه لم يمقتهم لهجرتهم ونصرهم (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ) يرحمهم بلا كره لأنه (رَحِيمٌ) بادنى أسباب الرحمة فكيف مع الهجرة والنصرة
(وَ) كيف لا يتوب على هؤلاء مع مجرد ميلهم وقد تاب (عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) عن الغزوة وكمال التوبة وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وهم المرجؤن لامر اللّه الذين منع الناس من مكالمتهم خمسين ليلة (حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) أي مع سعتها إذ لا يمكنهم الذهاب إلى أحد (وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) إذ لازموا مكانهم (وَ) إذ ارادوا الفرار من المدينة (ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ) أي لا مفر (مِنَ) غضب (اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) أي إلى استغفاره (ثُمَّ) لما علم صدقهم (تابَ عَلَيْهِمْ) أي وفقهم للتوبة الكاملة (لِيَتُوبُوا) توبة توجب الرحمة (إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) لمثل هؤلاء الذين الجؤا إلى التوبة فضلا عمن يتوب باختيار منه
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مقتضى إيمانكم ان تخافوا مقته في معاصيه حتى لا يوفقكم للتوبة وان كان توّابا رحيما (اتَّقُوا اللَّهَ) فلا تعصوه اعتمادا على توبتكم أو رحمته (وَكُونُوا) للاستعانة على استدامة التقوى (مَعَ الصَّادِقِينَ) ولوجوب التقوى وملازمة الصادقين
(ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) المتيسر لهم ملازمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصحابته (وَمَنْ حَوْلَهُمْ) سيما إذا كانوا (مِنَ الْأَعْرابِ) لبعدهم عن أهل العلم الداعى إلى الصدق (أَنْ يَتَخَلَّفُوا) في الجهاد (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ) لأن ترك الجهاد مخل بالتقوى والتخلف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مخل بملازمة الصادقين لأن المتخلفين من غير ذوى الاعذار منافقون (وَ) كيف (لا) يحرم التخلف عنه صلّى اللّه عليه وسلم وما كان لهم ان (يَرْغَبُوا) أي يميلوا (بِأَنْفُسِهِمْ) أي بترك أنفسهم في أهويتها مجاوزين (عَنْ) مشاق (نَفْسِهِ) بل كلما تحمل من المشاق يجب عليهم ان يتحملوها (ذلِكَ) أي لزوم تحمل المشاق عليهم (بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ) أي عطش (وَلا نَصَبٌ) أي تعب من السير سيما مع العطش (وَلا مَخْمَصَةٌ) أي مجاعة تضعفهم عن السير لكنها سيرهم (فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا) أي لا يدوسون مكانا (يَغِيظُ الْكُفَّارَ) الذين هم أعداء اللّه واغضاب العدوّ يفيد رضا عدوّه (وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا) أي قتلا أو هزيمة أو أسرا وهو فوق الغيظ فهو أتم في افادة الرضا (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ) فإذا مالوا بأنفسهم فاتهم ذلك وأهل القرب يؤاخذون بالتقصير مع تفويتهم واجب الجهاد وملازمة الرسول وكيف لا يكتب لهم بذلك عمل صالح مع انهم بتجمل المشاق محسنون لأنهم انما تحملوها بالنظر إلى اللّه (إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)