تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 333
(بِآياتِنا) لكنهم لم يبالوا بعزتها (فَاسْتَكْبَرُوا) عليها بعزتهم (وَ) لم يكن لاستكبارهم بها وجه بل (كانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) أي عاصين لمن اعزهم بها وكيف لا يكونون مجرمين ولم يزالوا معاندين للدلائل القاطعة
(فَلَمَّا جاءَهُمُ) الدليل (الْحَقُّ) الذي لا شبهة معه على رسالتهما الموجبة عزة الهداية لهما (مِنْ عِنْدِنا قالُوا) لرفع عزتهما بالهداية وجعلها ذلة عليهما مع ذلتهما بقلة الأموال والاعوان (إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) أي تلبيس ظاهر
(قالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ) انه سحر (لَمَّا جاءَكُمْ) على وجه لم يترك لكم شبهة (أَسِحْرٌ هذا) مع قطعيته بحيث لا يبالى معه للشبهة لو لم يرفع (وَ) يكفى في قطعيته انه سبب فلاحى مع انه(لا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ
قالُوا أَ)تمنع كونه تلبيسا وقد (جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا) أي لتصرفنا (عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) وهو الحق الصريح (وَ) تبطل عزتنا إذ (تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ) أي غاية العزة التي تصير بها كل عزة بالنظر إليها ذلة على ان كبرياءكم ليس باعتبار اتصافكم بعزة الهداية بل (فِي الْأَرْضِ وَ) لكنه انما يكون لو آمنا بكمالكن (ما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ) لتبقى عزتنا
(وَقالَ فِرْعَوْنُ) حفظا لعزته بعد ما ذهبت بالعجز لآيات موسى ودفعا لعزة موسى بها (ائْتُونِي) لمعارضته (بِكُلِّ ساحِرٍ) أي ماهر في باب السحر (عَلِيمٍ) أي محيط بابوابه
(فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ* فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ) لا يصلح لمعارضتى لأنه (السَّحَرَةُ) وقرئ بهمزة الاستفهام ومعناه أيصلح السحر للمعارضة وهو وان بلغ ما بلغ (إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) لئلا يعارض آياته ولو لم يكن معارضا لها فلا بدّ من إبطاله لكونه افسادا لما يصلحه الآيات (إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) لو لم يكن افسادا لم يكن اللّه ليصلحه إذ
(وَيُحِقُّ اللَّهُ) أي يثبت اللّه الدليل (الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ) أي أوامره (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) الذين يؤثرون في السحر بأوامرهم التي يتوهمون انفاذها فليس لاوامرهم معارضة أوامر اللّه فابطله اللّه وأظهر ذلتهم وعزة موسى بالهداية لكن لم يبطل بذلك عزة فرعون بالأموال والاعوان ابتلاء
(فَما آمَنَ لِمُوسى) بعد ظهور عزة الهداية عليه (إِلَّا ذُرِّيَّةٌ) أي شبان (مِنْ قَوْمِهِ) راكبين (عَلى) متن (خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ) ان يظهروه فيما بينهم فيصل الخبر إلى فرعون وهو موجب (أَنْ يَفْتِنَهُمْ) أي يعذبهم (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ) وإن عجز عن معارضة موسى فظهرت ذلته (لَعالٍ) ذو عزة لنفوذ تصرفه (فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ) وإن علم انه لا عبرة لهذه العزة مع عزة الهداية (لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) بترجيح هذه العزة على عزة الهداية
(وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ) الخائفين من فرعون ان يفتنهم (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ) فيما بينكم (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا) في اظهاره ان يحفظكم عن فتنة العدوّ فانه يحفظكم (إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) أي منقادين له بصدق التوكل ويجعله سبب إيمان الخلائق حتى يجتمعوا على الإيمان باللّه حتى تظهر عزتكم وتنقلب عزة فرعون ذلة
(فَقالُوا) عند اظهار الإيمان (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) ليحفظنا من فتنة العدوّ قبل اجتماع الخلائق على الإيمان ودعوا ليجتمع تأثير الدعاء مع تأثير التوكل فقالوا (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) لتظهر عزتهم وتذهب عزة إيماننا بآياتك
(وَنَجِّنا) عن ذلة فتنتهم (بِرَحْمَتِكَ) التي استحققناها على نصر دينك