تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 389
(أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) إذا قصدتم أذيتنا (وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا) في جلب المنافع ودفع المضار باللّه (وَ) ان لم يدفع عنا أذياتكم ابتلاء منه (لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَ) لا يتمسك بسبب من الأسباب في دفعها بل (عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) لا على الأسباب إذ لا تأثير لها بدونه وهو مستقل بدونها
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بقدرة اللّه دون الأسباب بل رأوا الأسباب مؤثرة دون قدرته تعالى (لِرُسُلِهِمْ) الذين شأنهم الهداية في أبواب المعارف التي من جملتها التوكل فهم أتم فيها كيف يفيدكم التوكل في دفع أذياتنا (لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) أي الا أن تصيروا في ملتنا صيرورة من كان فيها فخرج عنها لضرورة ثم عاد إليها بكمال رغبة واشتياق (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ) الذي رباهم بالتوكل (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) بايذائكم على اهدائكم اياهم فلا يتمكنوا من إخراجكم ولا اعادتكم إلى ملتهم كيف
(وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ) التي أرادوا إخراجكم منها (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد إخراجهم ولا يكون إخراجهم مثل إخراج الرسل بل (ذلِكَ) الإخراج لهم مع تسكين أعدائهم عبرة (لِمَنْ خافَ مَقامِي) أي قيامى بكمال الحكمة في الأشياء (وَخافَ وَعِيدِ) على السيآت
(وَ) كيف لا يكون الأمر كذلك إذ (اسْتَفْتَحُوا) أي طلب الرسل النصر عليهم فنصروا (وَخابَ) بهذا النصر (كُلُّ جَبَّارٍ) معتمد على قوّته (عَنِيدٍ) مع اللّه ورسله ولا يقتصر على إهلاكهم الدنيوى بل
(مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَ) غاية ما يتلذذ به منها انها إذا غلب عليه حر نارها (يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ) لقبح مشرب اعتقاده وأعماله ولاخذه بالشبهات المتكلفة
(يَتَجَرَّعُهُ) أي يتكلف جرعه (وَ) لتركه البراهين السائغة (لا يَكادُ يُسِيغُهُ) أي لا يقرب من اساغته بل يغص به ليطول عذابه (وَ) إذا كانت هذه غاية لذته فهو في باب الشدة (يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) أي الشدة من جميع الجهات (وَما هُوَ بِمَيِّتٍ) فيتخلص عنها بالموت (وَ) لا يقتصر عليه في حقه بل (مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ) يشتد كل يوم بحسب تفاصيل قبائحه وعظمها ولا يخففه أعمالهم إذ
(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي صفتهم لعجيبة في عدم انتفاعهم بأعمالهم لكفرهم (بِرَبِّهِمْ) الذي رباهم إذ الكفر بالمربى موجب لمزيد غضبه فهو محرق لأعمالهم لذلك (أَعْمالُهُمْ) من الصدقة وبر الوالدين وصلة الرحم وعتق الرقاب واغاثة الملهوف (كَرَمادٍ) ولا ينالون من ذلك المحرق أيضا لأنه (اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ) لاشتداد ريح القهر الالهى بهم (فِي يَوْمٍ عاصِفٍ) وصف بوصف المظروف مبالغة وهو مثال يوم القيامة لظهور اللّه فيه بغاية القهر والشدة فإن أمكن أن يناله شيء من الرماد مع عصف الريح فهؤلاء (لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ) وإن كان كالمقبوض لهم إذ (ذلِكَ) الكفر بالمربى (هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) الذي يبعد به الشخص عن أقرب الأشياء إليه
(أَلَمْ تَرَ) يا منكر كونه ضلالا بعيدا (أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) أي بالحكمة الثابتة ليعرف فيعبدو ينعم فيشكر فإذا فعلتم ما يناقض حكمته في خلق العالم بعد ضلالكم أوجب غاية القهر عليكم مع غاية لطفه في ذاته لذلك (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) يراعون حكمته فيلطف بهم
(وَ) لا يبعد عليه ذلك فانه (ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) فلا يعز عليه إذهاب