تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 451
التوبة الموجبة للمغفرة والرحمة المانعتين من التعذيب
(وَ) إذكر للذين ان تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا لتكبرهم عليك انكم لستم بأعلم من موسى ولا أرشد منه ولست أقل من الخضر في الهداية لأنها هداية في الظاهر والباطن وهداية الخضر انما هي في الباطن ولا تحتاجون في تحصيله إلى تحمل المشاق واحتاج إليه موسى (إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ) أي لخادمه يوشع بن نون اختاره لقوّته على تحمل المشاق (لا أَبْرَحُ) أي لا أزال أسير (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) أي بحرى فارس والروم أو طنجة أو افريقية أو العذب والمالح فأجد فيه الخضر (أَوْ) حتى (أَمْضِيَ) أي أسير (حُقُبًا) والحقب ثمانون سنة والمراد زمانا طويلا ان لم أبلغه وذلك انه قام خطيبا في بنى اسرائيل فقالوا أي الناس أعلم فقال أنا فعتب اللّه عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى إليه بل أعلم منك عبدى بمجمع البحرين وهو الخضر قال يا رب كيف لى به قال خذ حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فاخبرنى فسارا
(فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما) وكان بالليل أويا إلى الصخرة فوضع موسى رأسه عليها فنام وأصاب الحوت روح الماء وبرده وقيل توضأ يوشع فانتضح الماء على الحوت فعاش فوقع في الماء فكره يوشع ان يوقظه ثم لما استيقظ نسى ان يخبره ونسى موسى ان يسأله فهو وان كان مجمع ما بينهما وبين الخضر لم يجتمعا به لأنهما (نَسِيا حُوتَهُما) الذي جعلت حياته في مكان بعد كونه مشويا أو مملوحا علامة كون الخضر فيه لكنهما رجعا إليه لأنه وقع في الماء (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ) مع كونه (فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) أي طاقا وهو وان لم يكن ليوشع مذكرا أوّلا ذكره بعد المجاوزة
(فَلَمَّا جاوَزا) المجمع الذي فيه الخضر (قالَ لِفَتاهُ) بعد ما سارا إلى الظهر من الغد وجاعا ولم يجدا شيأ من ذلك قبله (آتِنا غَداءَنا) وهو الخبز والحوت اللذين حملهما يوشع في المكتل وهو وان جعل علامة لم يتعين لها فطلبه في وقت الضرورة (لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا) الذي هو بعد مجاوزة الصخرة (نَصَبًا) تعبا ولا بد لاختصاصه بهذا الوقت من سبب
(قالَ أَ رَأَيْتَ) أي اخبرنى هل سبب نصبك تجاوز موضع المطلوب بنسيان وقوع الحوت في الماء (إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي) بعد ما أمرتنى ان أخبرك بأمر الحوت (نَسِيتُ الْحُوتَ) بعد استيقاظك وكرهت ايقاظك (وَما أَنْسانِيهُ) مع اهتمامى بأمرك (إِلَّا الشَّيْطانُ) فانه كره (أَنْ أَذْكُرَهُ) لك فيحصل لك الاجتماع بالخضر بلا تعب ولا عصيان منى في مخالفة أمرك (وَ) لكن لا يفوت على مكانه لأنه (اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) أمرا غريبا إذ صار الماء عليه طاقا وسربا
(قالَ) موسى (ذلِكَ) المكان الذي اتخذ فيه سبيله سربا هو (ما) أي مكان (كُنَّا نَبْغِ) أي نطلب فيه الخضر ولذلك حصل التعب بمجاوزته فإن من جاوز المطلوب تعب لكنه لا يفوتنا بالرجوع إلى ذلك المكان (فَارْتَدَّا) أي رجعا ماشيين (عَلى آثارِهِما) أي آثار اقدامهما يتبعانهما (قَصَصًا) أي اتباعا لئلا يفوتهما الموضع ثانيا فوصلا إليه فدخلا البحر
(فَوَجَدا عَبْدًا) لا يكتنه غاية كماله لكونه (مِنْ عِبادِنا) مظاهر عظمتنا إذ (آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) وهو التجلى الشهودى من غير فناء