تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 452
(وَ) لذلك (عَلَّمْناهُ) بلا واسطة بشر وملك (مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) جليلا لا يعطى كثيرا من الانبياء
(قالَ لَهُ مُوسى) الذي هو متبوع يوشع وسائر بنى اسرائيل (هَلْ أَتَّبِعُكَ) في علومك مرتقيا عن علومى (عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ) وإن كنت لا أتعلم من بشر بل من اللّه أو ملائكته (مِمَّا عُلِّمْتَ) من لدن ربك (رُشْدًا) فوق هداية أهل الظاهر كمعرفة اسرار الحق في بعض الأفعال التي يظهر قبحها
(قالَ) ان هذا العلم ليس مما يظهر حسنه بادنى النظر بل منه ما يظهر في الصور القبيحة التي يبادر أهل الظاهر إلى الإنكار عليها وهو مانع عن الاطلاع على محاسنها وترك الإنكار عليها يحتاج إلى صبر عظيم قال (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ) وإن كنت (مَعِيَ) متأثرا عنى (صَبْرًا) بوجه من الوجوه
(وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما) ظهر قبحه مع إنك (لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) تعرف به محاسنه الماحية قبحه
(قالَ) موسى انى وان كنت من أهل الظاهر الذين لا صبر لهم إلى تتبع البواطن (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا) بالتغلب على طبعى من اقتدائى بك وتأثرى عنك كيف وفى تركه عصيانك (وَ) إذا اتبعتك (لا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) وإن رأيت فيه طاعة اللّه في الظاهر لكنه معصية بالحقيقة لأن اعتقاد القبح فيمن زكاه اللّه طعن على اللّه ولما كان هذا الكلام كالرد عليه في قوله إنك لن تستطيع معى صبرا لم يجد الصبر وان راعى الاستثناء
(قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي) في علومى (فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ) فضلا عن الإنكار عليه فهذا العلم ليس بطريق السؤال والجواب بل بطريق الفيض فلا بد من انتظاره ولا بد من الصبر (حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ) في قلبك ولو بطريق الفيض ولو مع اللسان (مِنْهُ ذِكْرًا) يذكر به ما كمن فيه فاتبعه موسى على ان لا يسأله شيأ حتى يفاتحه وأرسل يوشع إلى القوم لإقامة الشرائع
(فَانْطَلَقا) أي سارا على ساحل البحر حتى مرت بهما سفينة فكلما أهلها ان يحملوهما فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول (حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) أخذ القدوم فقلع لوحا من أسفلها (قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها) الذين حملوك بغير نول (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) أي عظيما من اتلاف السفينة وقتل الجماعة الكثيرة بغير ذنب وكفران نعمة الحمل بغير نول
(قالَ) لو صبرت عرفت انه مثل التابوت الذي حملتك أمك فيه لا يدخله ماء ولم يغرق (أَلَمْ أَقُلْ) لك (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) وإن قصدته
(قالَ) انما قلت ما قلت لنسيانى أن امثال هذا من مسائل ذلك العلم بل هو من فرطاتك (لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ) فإن المؤاخذة به تفضى إلى العسر (وَلا تُرْهِقْنِي) أي لا تغشنى (مِنْ أَمْرِي) في تحصيل العلم منك (عُسْرًا) لئلا يلجئنى إلى تركه فنزلا من السفينة
(فَانْطَلَقا) أي مشيا في الساحل (حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا) أمسكه في الحال (فَقَتَلَهُ) بقلع رأسه من غير تأخير بخلاف قلع اللوح من السفينة (قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً) أي طاهرة من موجبات القتل من الردة والزنا والقتل لكون قتلها (بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) أي منكرا لا يمكن اصلاحه بحال بخلاف ما تقدم فانه وان كان عظيما يمكن اصلاحه بوجه ما
(قالَ) لو صبرت لعلمت انه كقتلك القبطى (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ) أي لاجل ما رأيت من العجلة في طبعك فيما يخالف ظاهره الشرع (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) وان