فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 20
(فَأَوْجَسَ) أي أضمر (فِي نَفْسِهِ) بحيث لا يظهر لغيره (خِيفَةً) من توهم الخلق المعارضة بان لهم من حبالهم وعصيهم حيات كما ان له من عصاه حية
(مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ) المعارضة بل (إِنَّكَ) مع وحدتك (أَنْتَ الْأَعْلى) أي الغالب عليهم لكون حيتك أكبر من حياتهم بكثير
(وَ) لا تلتفت لكثرتها بل (أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ) التي هي الجانب القوى في نفسها مع تقويتنا اياها (تَلْقَفْ) أي تلتقط التقاط الطائر جميع (ما صَنَعُوا) ولا يبعد ذلك لأنهم (إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ) في مقابلة المعجزة (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ) أي لا يفوز بمطلوبه (حَيْثُ أَتى) أي أيّ مكان جاء لدفع الحق فكيف يفلح حيث أتى معارضا لدفع المعجزة فالقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا
(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ) بعد ما ألقوا حبالهم وعصيهم للمعارضة (سُجَّدًا) بالذلة (قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى) قدموا هرون لما في تقديم موسى من ايهام ارادة فرعون
(قالَ آمَنْتُمْ لَهُ) أي لموافقة موسى (قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) فهو دليل مخالفتكم اياى (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ) في باب السحر كانه (الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) فاتفقتم معه ليكون لكم الملك فو عزتى لافعلن بكم فعل الملوك بمن أراد تبديل الملك (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ) أي من جانبين متخالفين (وَ) لا اقتصر عليه حتى يمكنكم إخراجنا من أرضنا بسحركم بل مع ذلك (لَأُصَلِّبَنَّكُمْ) متمكنين (فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) التي هي أقوى الاخشاب وأخشنها (وَ) لئن زعمتم انكم انما آمنتم برب موسى خوفا من شدّة عذابه أو من تخليده في العذاب (لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى) فإن رب موسى لم يقطع من أحد يده ورجله من خلاف ولم يصلبه في جذوع النخل ولم يبقه مصلوبا
(قالُوا) انما يستأذنك من يؤثر جانبك ونحن (لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ) الداعية إلى ايثار جناب الحق عليك وفيه اشارة إلى انا ما وافقناه لكونه أسحر بل لكونه صاحب البينات (وَ) لو لم تأتنا البينات ما كنا لنؤثرك على (الَّذِي فَطَرَنا) ولا نخاف ما خوفتنا به فانه ليس بأشد من عذابه بالنار (فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ) ولا ابقى فانك (إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا) التي لا بقاء لها ولا سلطان لك بعدها وقد دفعنا بهذا الإيمان ما هو أشد وأبقى
(إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا) الذي لا يزول سلطانه أبدا ولا بدّ لنا من الرجوع إليه (لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا) من القسم بعزة عدوه ومعارضة رسوله وأنواع الكفر في السحر (وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ) أي وما فعلت بنا مما يشبه الاكراه إذا تنازعنا الأمر بيننا وأسررنا النجوى والاكراه لو تحقق فانما يسقط الاثم لو لم يقع به اضرار متعد وهذا مما يتعدى الاضرار به لكونه (مِنَ السِّحْرِ) ولو لم يكن شيء من ذلك كيف نختار جنابك على جناب اللّه (وَاللَّهُ خَيْرٌ) من كل ما عداه (وَ) لو زعمت انه ليس بخير منك فلا شك انه (أَبْقى) وكيف يكون عذابك أشدّ وأبقى مع ان عذابه الخلود في جهنم
(إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ) خالدا فيها إذ (لا يَمُوتُ فِيها) فيستريح من عذابها (وَلا يَحْيى) حياة يستفيد بها
(وَ) كيف تكون خيرا منه مع أنه (مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى) التي لا تبلغ أعلى درجاتك أدناها فإذا كانت هذه درجات من تذلل له في العبادة فاين درجاته إذا على درجاتك ملك مصر وهذه