تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 24
بين العشر وساعة من نهار
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ) هل تبقى يوم القيامة فيمكن التستر بها عن الصور القبيحة (فَقُلْ يَنْسِفُها) أي يجعلها رملا (رَبِّي) الذي ربانى بأن جعلنى أقوى من الجبال في ذلك اليوم (نَسْفًا) كليا بحيث لم يبق فيه شيء صلب ثم يسلط عليها الرياح
(فَيَذَرُها) أي يترك أرضها (قاعًا) أي مستويا (صَفْصَفًا) أي أملس
(لا تَرى فِيها عِوَجًا) معنويا يدركه المهندس فضلا عن المحسوس (وَلا أَمْتًا) أي نتوأ وكمالا يستتر يومئذ بالجبال ولا باعوجاج الأرض ونتوءها لا يستتر بالتباعد لاجتماع الناس في طريق المحشر أو بالمحشر أما الأوّل فلانهم
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ) أي يجيبون اسرافيل إذ يدعوهم إلى المحشر قائما على صخرة بيت المقدس فينقلبون من كل أوب إلى صوبه (لا عِوَجَ لَهُ) أي لاتباعهم يمينا وشمالا إذ لا موجب للعدول من الجبال ونحوه (وَ) لا يشغل عن رؤية تلك الصور سماع أصوات الناس فانه (خَشَعَتِ) أي خفتت (الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ) فانه وان ظهر للمؤمنين برحمته فهم مستغرقون في هيبته وإذا لم تسمع من أهل الرحمة (فَلا تَسْمَعُ) من غيرهم (إِلَّا هَمْسًا) أي ذكرا خفيا ولا ترتفع تلك الصورة بالشفاعة لأنه
(يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ) بعض الشفعاء ان يشفع (لَهُ الرَّحْمنُ) بأن يفيض عليه نور الرحمة ليفيضها على المشفوع (وَرَضِيَ) ان يشفع (لَهُ قَوْلًا) وانما احتيج إلى الاذن لأن الشفيع لا يعلم مبدأ المعصية من قصد الاستهانة بأمر اللّه أو اتباع الشهوات ولا منتهاها من الجراءة على اللّه أو الندم على مخالفته واللّه تعالى
(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) فمن علمه استهان بامره وبقى مجترئا عليه لم يأذن بالشفاعة في حقه والا ربما أذن (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) فلا يعلمون ما في علمه من الاستعدادات
(وَ) كيف يشفع أحد عنده بدون إذنه مع انه (عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) أي صارت الوجوه ذليلة لظهوره بصفة الحياة والقيومية الدالة على ان كل ما عداه ميت بل معدوم هذا في حق أهل العدل (وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) لكن
(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) فانه وان حمل ظلما (فَلا يَخافُ ظُلْمًا) بنزع ثواب العمل (وَلا هَضْمًا) بنقصه
(وَ) ليست هذه الآيات لمجرد التخويف لأنه (كَذلِكَ أَنْزَلْناهُ) أي جميع الكتاب ولا يتصوّر في حق اللّه تعالى إنزال كتاب أكثره كاذب (3) ولا يحمل على تأويل المحسوس بالمعقول لكونه (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ليفهمه أهل العربية والحمل على التأويل مانع لهم عن الفهم (وَ) لا يتأتى التأويل في جميعها إذ (صَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ) بعبارات مختلفة يبعد حمل جميعها على التأويل لو أمكن على انه لو امكن فهو مخل بالمقصود من الإنزال لأنه انما أنزله (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) المعاصى فيتركونها بالكلية (أَوْ يُحْدِثُ) الوعيد (لَهُمْ ذِكْرًا) بقبح عواقب المعاصى فيدعوهم إلى التوبة وكيف يكون وعيدا مجردا وهو يستلزم مخالفة الحكمة
(فَتَعالَى اللَّهُ) الجامع للكمالات عن مخالفتها على انه (الْمَلِكُ) الذي لا بدّ له من جود وسياسة ولا يكونان بالعكس لأنه (الْحَقُّ وَ) قد ظهر بهذا التعالى والملكية والحقية في هذا القرآن لمن لم يستعجل لذلك قيل لا صفى الناس في اصفى الاوقات (لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ