تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 25
قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) وكان عليه السّلام يستعجل بالقراءة قبل فراغ جبريل من الوحى (وَ) لا تكتف بالتأمل مع التأنى بل (قُلْ رَبِّ) يا من ربانى بالوحى (زِدْنِي عِلْمًا) بالكشف عن اسراره الغير المتناهية
(وَ) لا يكن عهدك بترك الاستعجال ولا بطلب زيادة العلم كعهد آدم فانا (لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ) أن لا يقرب من الشجرة ولا يسمع من ابليس (مِنْ قَبْلُ) أي من قبلك فلا يبعدان ترثه منه (فَنَسِيَ) العهد (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) في حفظه
(وَ) إذكر لتحقيق ذلك (إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) لتكونوا مسخرين له قائمين بمصالحه (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) لأنه (أَبى) أن يكون مسخرا له بل أراد ان يعاديه
(فَقُلْنا) تنبيها له (يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ) يريد افساد أمورك (وَلِزَوْجِكَ) إذ في افساد أمورها افساد أمورك وأجل وجوه الافساد إخراجكما من الجنة (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ) إلى دار الابتلاء (فَتَشْقى) بالابتلاء إذ يتمكن من افساد أمورك باحواجك إلى الأموال لتوقف حوائجك في دار الابتلاء على تحصيلها من حرام وحلال وليست تلك الحوائج في الجنة
(إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها) فلا تحتاج إلى الطعام الذي يفتقر إليه في قوام البنية (وَلا تَعْرى) فلا تحتاج إلى اللباس الذي يفتقر إليه في ستر العورة
(وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها) فلا تحتاج إلى الماء الذي يفتقر إليه في هضم الطعام (وَلا تَضْحى) فلا تحتاج إلى البيت الذي يفتقر إليه في دفع الحرّ فلما رأى الشيطان أن عداوته لا تتم ما دام في الجنة لعدم افتقاره إلى الأموال التي تكتسب من الحلال والحرام حاول إخراجه منها
(فَوَسْوَسَ) أي حدث حديثا واصلا (إِلَيْهِ) أي إلى ظاهره وباطنه (الشَّيْطانُ) إذ (قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ) أي التي يفيد أكل ثمرتها الخلد في الجنة (وَ) على (مُلْكٍ) هو ازدياد القرب من الرب بحيث (لا يَبْلى) فضلا عن الزوال اراهما شجرة الفناء شجرة الخلد وسبب زوال الملك سبب دوامه بل سبب الخزى سبب القرب فاستمعاله ونسيا عهد ربهما
(فَأَكَلا مِنْها) فنزع عنهما ملك كل شيء حتى نزع لباسهما (فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) أي ظهرت لهما عوراتهما (وَ) لم يجدا لباسا آخر لذلك (طَفِقا) أي شرعا (يَخْصِفانِ) أي يلزقان (عَلَيْهِما) بعضا (مِنْ وَرَقِ) اشجار (الْجَنَّةِ) فحصل لهما هذا الخزى بدل جاء الملك المخلد وحصل لهما يدل شجرة الخلد هذه الاوراق الفانية عليهما من سائر اشجار الخلد التي يتجدد أوراقها كلما سقط منها ورقة (وَ) افتضحا فضيحة أخرى معنوية إذ وقع بين الملائكة وأهل الجنة انه (عَصى آدَمُ رَبَّهُ) بارتكاب النهى وهو وان كان سهوا لكنه من تقصيره في حفظ العهد (فَغَوى ثُمَّ) انه لمزيد تذلله (اجْتَباهُ رَبُّهُ) لتقريبه (فَتابَ عَلَيْهِ) لمحوه سبب بعده (وَهَدى) لزيد أسباب القرب حتى تم اجتباؤه ومع ذلك ابتلاه وذريته بما يحصل مقصود ابليس به إذ
(قالَ) لآدم وحواء (اهْبِطا مِنْها) أي من الجنة (جَمِيعًا) أي مجتمعين مع ابليس اجتماعا فيه (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) فالمرأة عدو الزوج في الجائه إلى تحصيل الحرام والزوج عدوّها في انفاقه عليها وابليس يوقع الفتنة بينهما ويدعوهما إلى أنواع المفاسد التي لا ترتفع الا باتباع الأمر السماوى (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) أي فإن تحقق اتيان هدى