تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 33
على ذلك (فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ) ارضهم (نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) بتغليب المسلمين مع ضعفهم عليها (أَ) يعتقدون مع ذلك غلبتهم علينا (فَهُمُ الْغالِبُونَ) علينا وقد غلبهم ضعفاء المؤمنين فإن زعموا ان اللّه تعالى لم يزل حفيظا لنا ولآبائنا فمن أين تخوفنا بفجأة عذابه الخالد
(قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ) فجأة العذاب الخالد (بِالْوَحْيِ) المشتمل على بيان الحكمة فيه (وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ) أي دعوة المنذرين (إِذا) أي وقت (ما يُنْذَرُونَ) لا وقت مسه
(وَ) لكن واللّه (لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ) أي رائحة (مِنْ عَذابِ رَبِّكَ) لا يمكنهم ترك الالتفات به بل (لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا) تعال الينا لظلمنا (إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ وَ) هم وان ظلموا مع ضعفهم لا نظلمهم مع قدرتنا بل
(نَضَعُ الْمَوازِينَ) التي يعرف بها مقادير الأعمال (الْقِسْطَ) التي لا تتجاوز إلى افراط ولا تفريط (لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) الموضوع للقسط وان لم نضعها بكمالها قبل ذلك (فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ) بترك الوزن (شَيْئًا) بنقص ثواب او زيادة عقاب (وَ) لا نترك احضار العمل فانه (إِنْ كانَ) العمل (مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) أي مقدار وزنها (أَتَيْنا بِها) أي احضرناها لنحاسب عليها صاحبها (وَ) لا يعسر علينا حساب الجمع الكثير ولا نحتاج فيه إلى الغير ليتصور منه الظلم بل (كَفى بِنا حاسِبِينَ وَ) كما نأتى بخرادل الأعمال نأتى بخرادل نكاتها ولا بعد في ذلك فانا
(لَقَدْ آتَيْنا مُوسى) اصالة (وَهارُونَ) تبعية (الْفُرْقانَ) أي المبالغ في الفرق بين الأشياء الذي لا يكون الا بتدقيق النظر (وَ) قد لا يدرك بالنظر فيحتاج إلى الكشف فآتيناهما (ضِياءً) هي أنوار الكشف (وَ) انما آتيناهما ذلك ليذكر الخلق (ذِكْرًا) نافعة (لِلْمُتَّقِينَ) وانما كانت نافعة لهم لأنهم
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) الذي رباهم بدقائق الحكمة ان يؤاخذهم بدقائق نكت لا يطلعون عليها لأنه يؤاخذ (بِالْغَيْبِ وَ) لذلك (هُمْ مِنَ السَّاعَةِ) التي هي من الغيب (مُشْفِقُونَ وَ) إذا كان لهما هذا الانذار قبلى فليس انذارى ببدعة بل تكميل لانذارهما إذ
(هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ) أي كثير الفوائد إذ (أَنْزَلْناهُ) من مقام عظمتنا (أَ) لا ترون فيه ذلك (فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) بحيث لا تجعلون ادنى مناسبة معه توجب الإيمان به ويمكن ان يقال من كونه ضياء صار منيرا لقلوب المتقين حتى ذكرها ما كمن فيها فكوشف لها عن ذلك من ابقائها بالحجب الظلمانية فازداد معرفتها حتى ازداد خشيتها من اللّه لأنه كوشف لهم من مكاشفة غيبية فكوشف لهم عن الساعة مكاشفة شهودية فازدادوا اشفاقا منها وهذا كتاب افاد كشفا اتم من ذلك لكونه منزلا من مقام عظمتنا اتنكرون مزيد كشفه بل مساواته له بل مقاربته فانتم له منكرون
(وَ) لا يبعد ان يكون ما اوتى بعض الانبياء أكمل مما اوتى البعض الأخر فانا (لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ) المخصوص به (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل موسى وهرون فلم يكن ارشادهما بدعة حتى يكون ارشادى بدعة بعد أخرى (وَكُنَّا بِهِ) أي بمقدار كمال استعداد ابراهيم (عالِمِينَ) بحيث لا يحيط به علم غيرنا فلا بد ان يكون رشده اكمل في إقامة الادلة ورفع الشبه وبيان الحقائق ورعاية الدقائق والاتيان بالكشف
(إِذْ قالَ لِأَبِيهِ) تربية له بالرشد (وَقَوْمِهِ) صلة لهم في الانقاذ من الضلال (ما هذِهِ التَّماثِيلُ) أي الصور الحقيرة الخالية في انفسها عن الأرواح المؤثرة وان تعلق ببعضها الشياطين فليس في تأثيرها فائدة بل هي عين