تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 35
أى قلبوا نظرهم كانهم جعلوا اسافلهم (عَلى رُؤُسِهِمْ) قائلين له واللّه (لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) فأمرتنا بسؤال من لا ينطق وهو ظلم منك وقد ظلمت بكسر آلهتنا فانت الظالم أولا وآخرا
(قالَ أَ) تعلمون عجزها عن النطق الدال على عجزها عن كل نفع وضرر بالفعل والقول (فَتَعْبُدُونَ) بعد علمكم بكونهم (مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا) من النفع الفعلى أو القولى (وَلا يَضُرُّكُمْ) لأن ذلك فرع القدرة على القول أو الفعل
(أُفٍّ) أي اتضجر قبحا (لَكُمْ) في إذلال الأعلى للادنى لا لشيء (وَلِما تَعْبُدُونَ) من عادم أثر مع كونهم (مِنْ دُونِ اللَّهِ) والدون لا يستحق العبادة مع الأعلى (أَ) ترون عبادة الأعلى المؤثر للادنى المتأثر (فَلا تَعْقِلُونَ) فلما عجزوا عن مناظرته اخذوا في مضاربته وكانهم جعلوا قدرتهم قدرة الاصنام حتى
(قالُوا حَرِّقُوهُ) بالنار التي يعدنا الاحراق بها على عبادتها (وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ) بجعل آثار أعدائهم أكمل في تفريق الاجزاء من أفعالهم بهم (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) به شيئا من السياسة فلا يليق به غيرها
(قُلْنا) تعجيزا لهم ولاصنامهم وعناية لمن ارسلناه وتصديقا له في انجاء من آمن به (يا نارُ كُونِي بَرْدًا) أي باردة على ابراهيم مع كونك محرقة للحطب (وَ) لا تنتهى في البرد إلى حيث يهلكه بل كونى (سَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ بانه لو كان نبيا لم يحترق
(وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) بإبطال كيدهم وجعله معجزة له وإهلاكهم بادنى الأشياء وهو البعوض دخلت رؤسهم واكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت دماغ نمرود فأهلكته وهو المشار إليه بقوله
(وَنَجَّيْناهُ) أي من العذاب المبعوث عليهم (وَلُوطًا) إذ هاجر معه من العراق (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) وهي أرض الشام (لِلْعالَمِينَ) لأهل الدين بكثرة الانبياء ولأهل الدنيا بكثرة الثمار نزل ابراهيم بفلسطين ولوط بسدوم وبينهما مسيرة يوم وليلة
(وَ) كثرت بركة تلك الأرض بابراهيم وأولاده إذ (وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ) بدعوته رب هب لى من الصالحين (وَيَعْقُوبَ نافِلَةً) أي زيادة على دعائه ليحصل في دعائه البركة (وَ) منشأ البركة فيهما الصلاح إذ (كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) كيف
(وَ) كان صلاحهم متعديا إذ (جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً) أي قدوة لا لأهل الضلال وان انتسبوا إليهم بل لأهل الهداية إذ كانوا (يَهْدُونَ) لا بمجرد عقولهم بل (بِأَمْرِنا وَ) قد جمعنا فيهم وجوه الهداية على أكمل الوجوه إذ (أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ) مما يختص بالقلوب أو الجوارح (وَ) مما يعمهما اعنى (إِقامَ الصَّلاةِ وَ) مما يخرج عنهما اعنى (إِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا) في جميع أفعالهم حتى الطبيعية كالاكل والنوم (لَنا عابِدِينَ) إذ استعانوا بأكلهم ونومهم على عبادتنا فكانوا من أعظم أسباب البركة بارض الشام
(وَ) لا يبعد جعل أولاد ابراهيم أئمة ولا وحى فعل الخيرات إليهم وقد جعل لوطا ابن اخيه هاران كذلك فإن (لُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا) أي معرفة الاحكام الفقهية (وَعِلْمًا) معرفة العقائد (وَ) جعلنا له كرامة من بركة ذلك المعارف إذ (نَجَّيْناهُ مِنَ) عذاب أهل (الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ) أي أهلها (تَعْمَلُ الْخَبائِثَ) التعرى بين الناس واللواط والضراط ولم تؤثر فيهم بركته لاحاطة الاسواء بهم (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ) لا ينسبون إلى سواه لكونهم (فاسِقِينَ) أي خارجين عن الخيرات
(وَ) هو انما تأثر ببركة ابراهيم لانا (أَدْخَلْناهُ)