تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 42
أى يابسة كالرماد وهو دليل بقاء الميت مدة (فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ) وهو يشبه وقت القيامة (اهْتَزَّتْ) أي تحركت بالنبات وهو دليل الاحياء (وَرَبَتْ) أي انتفخت كالحامل وهو دليل جعل الجماد حيوانا (وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ) أي صنف (بَهِيجٍ) أي رائق كما ان المرأة تلد من كل جميل وهو دليل البعث وليس ذلك على سبيل العبث بل
(ذلِكَ) للاستدلال (بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) أي المراعى للحكمة وقد راعى الحكمة في هذه الأمور كلها (وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى) لأن الاحياء نوع من التقليب وقد فعل هذه التقليبات كلها (وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لأنه يقدر على كل ما ذكر من الأشياء المختلفة
(وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) إذ جعل لكل شيء وقتا معينا وهي أهم الأشياء فهي (لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) كما أخرج المذكورات بعضها من بعض فهذه جهة عامة بينها للعوام وما ذكرنا جهة خاصة اطلع عليها الخاصة والسر في هذا الترتيب هو ان كمال الأفعال برعاية الحكمة فيها وأجلها في حق اللّه الظهور بالكمالات ولا يتم الا بايجاد الاحياء المطلعين على كمال قدرة اللّه وهي انما تظهر بالساعة فلا بدّ منها والساعة وان أمكن كونها بالحشر الروحانى فلا يتم الا بالجسمانى
(وَمِنَ النَّاسِ) بعد إقامة الدلائل المذكورة (مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ) حكمته وقدرته وبعثه وجزائه أيضا لا بطريق من طرق الجدل من معارضة أو نقض أو مناقضة أو غيرها بل (بِغَيْرِ عِلْمٍ) عقلى (وَلا هُدىً) كشفى (وَلا) دليل نقلى من (كِتابٍ مُنِيرٍ) للروح والقلب وسائر الاعضاء والعالم بل لكونه
(ثانِيَ عِطْفِهِ) أي مولى جنبه وعنقه تكبرا ولم يرد بذلك استزادة الدليل أو طلب دليل أوضح بل (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) غيره كما ضل بنفسه فهو كقاطع الطريق (لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ) باللعن والقتل والاسر (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) يوم ظهور كمال غضبنا (عَذابَ الْحَرِيقِ) أي النار ويقال له ضما للعذاب العقلى في حقه إلى الحسى
(ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ) أي بسبب ما اقترفته كاشتباك الباطنة من الكفر والمعاصى القلبية والظاهرة من المعاصى القالبية (وَ) لم يمحها بتوبة ولا حسنة بل قدمته إلى الآخرة بمقدار ما قدمته لما تقرر من(أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ)لا يجادل ظاهرا ولكنه ينكر اليوم الآخر ويرى الجزاء هو الدنيوى أو يجعل الأخروى تبعا للدنيوى فهو (يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ) أي طرف كالذي على طرف من الجيش ان رأى ظفر اقرّ والا فرّ (فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ) أي صحة في جسمه وسعة في ماله (اطْمَأَنَّ) أي سكن إليه ورضى (بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ) أي بلاء في الجسم أو المال (انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ) أي رجع إلى ما كان عليه من الكفر وهو بهذا الرجوع (خَسِرَ الدُّنْيا) بذهاب عصمته وكرامته (وَالْآخِرَةَ) بفوات نجاته عن الخلود في النار وهو وان ظن انه أخذ ما هو خير له وربح لكنه (ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) الذي لا يخفى على ذى بصيرة كيف وهو
(يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ) لو عصاه (وَما لا يَنْفَعُهُ) إذا عبده (ذلِكَ) أي الرجوع إليه عند الابتلاء المفيد للاجر الأخروى (هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) عن الرشد فهو خسران أمر العقل الموجب خسران الدارين فإن زعم ان في عبادته نفعا أخر ويا قيل له
(يَدْعُوا لَمَنْ)